TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > إصلاح التعليم في العراق: من الجذور إلى القمة

إصلاح التعليم في العراق: من الجذور إلى القمة

نشر في: 4 نوفمبر, 2025: 12:29 ص

نبأ سليم البراك

هذا جهد شخصي بنيته أولًا من خبرتي في العمل بسلك التدريس الجامعي لأكثر من ست وثلاثين عامًا، ومن اطلاعي المباشر ومعايشتي للنظام التعليمي الأمريكي.
ومن خلال المقارنة بين النظامين البريطاني (المعمول به في العراق) والأمريكي، وصلت إلى قناعة راسخة بأن إصلاح التعليم في العراق لا يمكن أن يتحقق إلا إذا بدأ من الجذور، لا من القمة.
فلا جدوى من ترقيع المناهج أو تبديل آليات القبول الجامعي ما لم نُعِد بناء فلسفة التعليم ذاتها منذ المراحل الأولى.
1. الإصلاح من الجذور
إصلاح التعليم في العراق لا يبدأ من الجامعات، بل من دور الحضانة والتعليم الابتدائي، حيث تتكوّن شخصية الطفل وتتشكل قدرته على التفكير وحب المعرفة.في تلك السنوات الحساسة يُزرع الفضول، ويُبنى احترام النظام والعمل الجماعي، وتُغرس القيم الأخلاقية والوطنية.المدرسة في جوهرها ليست مكانًا لتلقين المعلومات، بل لخلق إنسان يفكّر ويشارك ويبتكر.
2. التعليم الثانوي وبناء التفكير النقدي
ينبغي أن تتحول المناهج من الحفظ إلى التحليل والفهم والتطبيق.
على الطالب أن يتعلم كيف يربط بين ما يدرسه وما يعيشه في واقعه، وأن تكون المدرسة حاضنة للمواهب العلمية والفنية والرياضية، ومختبرًا للتفكير الحر لا للخوف من الخطأ.
ولا بد من تدريب المعلمين على أساليب التعليم الحديثة التي تُحفّز الحوار لا الصمت.
3. إصلاح نظام القبول الجامعي
الاعتماد الكامل على الامتحان الوزاري (البكالوريا) جعل مصير الطالب مرهونًا بيوم واحد لا بمسيرته الدراسية.
يجب اعتماد نظام أكثر عدلًا وتوازنًا يقوم على:
• المعدل التراكمي للصفين الأخيرين من المرحلة الثانوية،
• اختبار وطني موحد يقيس التفكير والتحليل لا الحفظ،
• وملفّ شخصي للطالب (Portfolio) يتضمن النشاطات التطوعية والمهارات والمواهب.
فالجامعة لا تحتاج إلى حافظين فقط، بل إلى مبدعين قادرين على التفكير وخدمة المجتمع.
4. التجريب المرحلي وملاحظة النتائج
كل إصلاح يحتاج إلى تجربة واقعية قبل التعميم.
يمكن اختيار بيئات تعليمية محددة — مدارس أو محافظات — لتطبيق النموذج الجديد، ومراقبة نتائجه على مدى سنوات.
بهذه الطريقة يمكن تطوير النظام خطوة بخطوة على أساس علمي مدروس.
5. التعليم قضية وطنية لا وزارية
إصلاح التعليم لا يخص وزارة التربية أو التعليم العالي وحدها، بل هو مشروع وطني متكامل تشترك فيه الأسرة، والمجتمع، والقطاع الخاص، والإعلام.
حين نؤمن أن التعليم هو الاستثمار الأعمق في الإنسان، سندرك أن نهضة العراق تبدأ من الصف الأول لا من البرلمان.
6. مخرجات الجامعات… إلى أين؟
من مراقبتي لدرجات الامتحانات الوزارية، وخيبات الطلبة عند إعلان نتائج القبول في الجامعات الحكومية والأهلية، ومن خلال متابعتي لتأهيل الخريجين ومستواهم العلمي ومدى توافقهم مع حاجات سوق العمل،
أطرح سؤالًا مؤلمًا وصادقًا:
مخرجات الجامعات… إلى أين؟
هل ما نراه اليوم من هذا الكمّ الهائل من الخريجين يعكس جودة التعليم أم أزمة في الرؤية والتخطيط؟
إن إصلاح التعليم العالي لا يتحقق إلا إذا أُعيد النظر في نوعية القبول، وجودة المناهج، وكفاءة الأساتذة، وربط التخصصات بسوق العمل ومتطلبات التنمية الوطنية.
الخاتمة
من الحضانة إلى الجامعة، يجب أن تسير كل مرحلة تعليمية نحو هدف واحد:
بناء إنسان عراقي حرّ، وواعٍ، ومبدع، قادر على التفكير والمشاركة والبناء.
فمن دون إصلاح التعليم من الجذور، لن تقوم لنا قمة ثابتة، ولن يكون لنا مستقبل يليق بتاريخ العراق وعقله الحضاري.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق ذاكرة عراقية

الأكثر قراءة

العمود الثامن: قمة الإنسان

واشنطن بوست: من ذاكرة الجمهورية إلى قلق الحاضر

العمود الثامن: لكم ملياراتكم ولنا الحصار!

العمود الثامن: تركوا نور زهير وامسكوا بـ "حمدية"

العمود الثامن: الكتاب "حرام" في الناصرية!!

العمود الثامن: قرارات روزخونية !

 علي حسين تأمّل العراقيون أن يكون التغيير بوابتهم لتأسيس دولة القانون والمواطنة، غير أنهم اكتشفوا بعد سنوات من سقوط تمثال صدام أن الأمور تمضي وكأن الذين يحكموننا يكرهون القانون ويحتقرون الحرية، وقصة محافظات...
علي حسين

"عقدة المالكي" بين مباركة ايران ورفض اميركا

د. اياد العنبر بما أننا نعيش في أيام يحكم فيها الولايات المتحدة الأميركية الرئيس دونالد ترمب، فعلينا أن لا نستغرب من أي موقف يعلن عنه أو تصريح له يخص بلداننا في الشرق الأوسط. إلا...
اياد العنبر

الفصام السياسي (الشيزوفرينيا السياسية) في العراق

امجد السواد يُعدّ مفهوم الفصام السياسي أو الشيزوفرينيا السياسية من أكثر المفاهيم قدرةً على توصيف الازدواجية العميقة في الشخصية العراقية، سواء حين يكون الفرد محكومًا أم حين ينتقل إلى موقع الحُكم. فالعراقي، وهو في...
د. امجد السواد

التكامل الاقتصادي الإقليمي كبنية مستدامة للواردات غير النفطية

ثامر الهيمص المرض الهولندي تزامنت شدته علينا بالإضافة لاحادية اقتصاديا كدولة ريعية من خلال تصدير النفط الخام مع ملف المياه وعدم الاستقرار الإقليمي. حيث الاخير عامل حاسم في شل عملية الاستثمار إجمالا حتى الاستثمار...
ثامر الهيمص
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram