TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > العمود الثامن: محنة مصطفى جواد

العمود الثامن: محنة مصطفى جواد

نشر في: 4 نوفمبر, 2025: 12:48 ص

 علي حسين

ليست ثمة فائدة تُرجى من متابعة أخبار السياسة في بلاد الرافدين، والاستماع إلى الخطب التحريضية، لكن ظروف العمل تدفعنا مضطرين لأن نُغرق أنفسنا في التحذلق السياسي، ومع ساسةٍ يعتقدون أن معركة العراق ليست مع الانتهازية وغياب الخدمات وسرقة مستقبل الناس، وإنما في التحريض بين مكونات الشعب، وإصدار قانونٍ للحصص الطائفية، وقانونٍ جديدٍ يحفظ للتوازن حقَّه. هكذا يبدو المشهد اليوم.
لقد أنجبت هذه البلاد الجواهري والرصافي والسيّاب وجواد سليم وعبد الله كوران ومصطفى جواد ونازك الملائكة وكوركيس عوّاد وعلي الوردي وطه باقر وجواد علي وهادي العلوي وعفيفة إسكندر… مصابيحَ للمعرفة والفنون، لم يكن أحدٌ منهم جزءًا من لعبة السياسة، لكنهم صنعوا تاريخًا زاهرًا لهذه البلاد. ومثلما لا يمكن أن تتخيّل فرنسا من دون سارتر وروسو، واليونان من دون أفلاطون، وإيطاليا من دون دانتي، وألمانيا من دون ماركس ونيتشه، وتشيلي من دون نيرودا، وإسبانيا من دون لوركا، فإننا لا يمكن أن نتخيّل بغداد من دون علّامةٍ بأهمية مصطفى جواد، الذي يذكره معظم أبناء بلاد الرافدين وهم يشاهدون مهزلة تهديم تمثاله في قضاء الخالص، ولولا الضجة التي أحدثها مشهد هدم التمثال لما تذكرنا صاحب المقولة الشهيرة “قلْ ولا تقلْ”.
كرّس العلّامة الراحل مصطفى جواد حياته من أجل غنى اللغة العربية التي تعمّق فيها، حتى قال عنه مجمع اللغة العربية في تأبينه: “كان عالمًا فذًّا وذوّاقًا للّغة، حريصًا على التعمّق فيها وإغنائها”، وكان دائم الرد على كل من يحاول أن يُحطّم أو يتجاهل معشوقته العربية بعبارته الشهيرة “قل ولا تقل”، التي تحولت إلى واحدٍ من أجمل كتب اللغة العربية.
وأنا أنظر إلى سائق الحفّارة الذي أصرّ على تهديم التمثال، تذكّرت ما جرى قبل أشهر ضد المرحوم الملك العراقي السومري كوديا، الذي أخبرتنا إحدى البلديات في المحافظة أنه “صنم”، وفي بلاد “المؤمنين” لا يجوز وضع تمثالٍ لصنم، لكن يجوز سرقة المال العام.
سيظل العراق يزهو بأعمال محمد مكية وقصائد الجواهري وتماثيل محمد غني حكمت ورسومات فائق حسن، وحرية جواد سليم ومرافعات كامل الجادرجي وأشعار السيّاب والبياتي ونازك وأغنيات القبانجي وحضيري أبو عزيز، ومشاريع نزيهة الدليمي وابتسامة يوسف العاني وصلابة محمد رضا الشبيبي ، ومعهم العشرات يملؤون مدن هذه البلاد بحضورهم وصخبهم. لم يبقَ اسمٌ لامعٌ إلا وأراد أن يضمّ إلى سيرته منجزًا يقدّمه إلى بغداد، وتحول العراق إلى منارةٍ تتلاقى فيها الحضارات وتتنافس عليها الأحلام والآمال.
علينا أن نُعلّم الأجيال أن في هذه البلاد عاش رجلٌ محبٌّ لبلاده ولغته، اسمه مصطفى جواد، وأن ذكراه ستبقى دائمًا، في وقتٍ تمرّ على بغداد هياكلُ سيكون مصيرها الزوال.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق منارات

الأكثر قراءة

العمود الثامن: مراد وهبه وعقل الأخوان

العمود الثامن: عباس الأبيض فـي اليوم الأسود

العمود الثامن: فتاة حلب

العمود الثامن: متى يتقاعدون؟

قناطر: البصرة بعين (أوليا جلبي) قبل نصف قرن

العمود الثامن: حكاية سجاد

 علي حسين أقرأ في الاخبار خبر الافراج عن المتهمين باختطاف الشاب سجاد العراقي، وقد اخبرتنا المحكمة مشكورة ان قرارها صدر بسبب "عدم كفاية الادلة"، تخيل جنابك ان دولة بكل اجهزتها تقف عاجزة في...
علي حسين

قناطر: عن الثقافة وتسويقها

طالب عبد العزيز تدهشنا مكاتبُ الشعراء والكتاب والفنانين الكبار، بموجوداتها، هناك طاولة مختلفة، وكرسي ثمين، وأرفف معتنى بها،وصور لفلاسفة،وربما آلات موسيقية وغيرها، ويدفعنا الفضول لفتح الأدراج السرية في المكاتب تلك، مكاتب هؤلاء الذين قرأنا...
طالب عبد العزيز

هل يستطيع العراق في 2026 أن يهزم الفساد وينزع سلاح الميليشيات؟

جورج منصور يقف العراق مع مطلع عام 2026 عند مفترق طرق حاسم في صراعه الطويل مع ثنائية الفساد المستشري والسلاح المنفلت خارج إطار الدولة. فقد كرَّست العقود الماضية بيئة سياسية هشة، غاب فيها حكم...
جورج منصور

الاستقرار السياسي.. بين حكمة دنغ واندفاع ترامب

محمد سعد هادي يروي «سلمان وصيف خان» في كتابه المهم «هواجس الفوضى: الاستراتيجية الكبرى للصين، من ماو تسي تونغ إلى شي جين بينغ»، حوارًا جرى عام 1989 بين دنغ شياو بينغ والرئيس الأميركي الأسبق...
محمد سعد هادي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram