TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > العمود الثامن: من يقرأ مذكراتهم؟

العمود الثامن: من يقرأ مذكراتهم؟

نشر في: 5 نوفمبر, 2025: 12:06 ص

 علي حسين

منذ صدور مذكرات الحاج إبراهيم الجعفري “تجربتي في الحكم”، والذي أطلق على نفسه فيها لقب “النجاشي” تشبهاً بملك الحبشة، وهو “ملك لا يُظلم عنده أحد”، في الوقت الذي اجتاح العراقَ أخطرُ موجة عنفٍ طائفي أيامَ تولي صاحب المذكرات رئاسةَ الوزراء،
والناس تسأل: ترى ماذا لو كتب باقي الساسة والمسؤولين مذكراتهم؟ ولأنني مغرم بمتابعة أحوال السياسيين، فقد تلقيت بفرحٍ غامر صدور مذكرات السيد نوري المالكي، وديوان شعر محمود المشهداني، وأنتظر بلهفة قراءة مذكرات مثنى السامرائي، عسى أن يعرف المواطن العراقي أين ذهبت أموال الكتب المدرسية، وننتظر كتاب أيهم السامرائي، وأتمنى أن يكون عنوانه “كيف تحصل على مليار دولار بأربعة أسابيع”. لكني، الحمد لله، اقتنيت كتاب السيد حسين الشهرستاني، الذي أصدر كتاباً بعنوان “تجربة حياة”، والذي يروي من خلاله إنجازاته في وزارات النفط والكهرباء والتعليم العالي، بدليل أننا استطعنا أن نصدر الكهرباء إلى الصين، وفاضت أموال النفط حتى إن المواطن العراقي يشكو من التخمة. ولا أريد أن أعدِّد منجزات السيد الشهرستاني في وزارة التعليم العالي، فالكل يعرفها ويدرك كيف أنه، وبشطارته، استطاع أن يتخلص من الكفاءات الجامعية.
وأنا أنظر إلى غلاف كتاب حسين الشهرستاني تذكرت كيف أقسم الرجل على أنه سيجعل العراق في مقدمة البلدان المصدِّرة للنفط، وأطلق تصريحه الشهير عن ثمار الزيادة في صادرات النفط، ثم طور الأمر فقال: “إن العراقيين يعيشون أزهى عصورهم”. طبعاً الفقراء في العراق لا يشغلهم كم تبلغ نسبة النمو، وهل زاد العجز أم حدث انكماش، ولا تشغلهم تعبيرات الشهرستاني عن ثمار التنمية، كل ما يشغلهم أن يعرفوا أين ذهبت عشرات المليارات التي أُهدرت على مشاريع وهمية، وهل يملك الرجل الشجاعة ويتحدث عن الخراب الذي أصاب البلاد، والأموال التي نُهبت، والصفقات التي عُقدت في الغرف المظلمة، وحجم الأموال التي يمتلكها لحظة صدور كتابه “تجربة حياة”؟
تمنيت أن يقرأ جميع الساسة العراقيين مذكرات اثنين ممن صنعوا تاريخ بلادهم، ونستون تشرشل وشارل ديغول، فسوف يتبين لهم بوضوح معنى الحكم، فقد كان لدى الرجلين الفهم الحقيقي لمعنى الشعور الوطني. ديغول نفى نفسه إلى قرية في الجنوب، بعد أن خرج الطلبة يتظاهرون ضده وهم يحملون لافتات كُتب عليها: “ديغول ارحل”، الرجل الذي أنقذ فرنسا من سطوة هتلر، ووضعها في مصاف الدول العظمى، لم يجد غير جملة واحدة قالها لمساعديه: “سأرحل، لا شيء أهم من فرنسا مستقرة”.
أما تشرشل الضخم، فكان يعيد كتابة التاريخ من وسط سريره المحاط بالوسائد وطيوره المفضلة من فصيلة الببغاء وقطته، ليسطر هذه الكلمات: “المتعصب هو شخص لا يريد أن يغيّر رأيه، ولا يريد أن يغيّر الموضوع”.
تُكتب المذكرات عادة من أجل قول الحقيقة، فيما أصر كبير مفكري العراق باقر جبر الزبيدي على أن يسير على خطى الجعفري فيضع عنوان “تجربتي” لمذكراته، تاركاً لنا أن نتذكر ماذا كانت هذه التجربة؟

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق منارات

الأكثر قراءة

العمود الثامن: مراد وهبه وعقل الأخوان

العمود الثامن: عباس الأبيض فـي اليوم الأسود

العمود الثامن: فتاة حلب

العمود الثامن: متى يتقاعدون؟

قناطر: البصرة بعين (أوليا جلبي) قبل نصف قرن

العمود الثامن: حكاية سجاد

 علي حسين أقرأ في الاخبار خبر الافراج عن المتهمين باختطاف الشاب سجاد العراقي، وقد اخبرتنا المحكمة مشكورة ان قرارها صدر بسبب "عدم كفاية الادلة"، تخيل جنابك ان دولة بكل اجهزتها تقف عاجزة في...
علي حسين

قناطر: عن الثقافة وتسويقها

طالب عبد العزيز تدهشنا مكاتبُ الشعراء والكتاب والفنانين الكبار، بموجوداتها، هناك طاولة مختلفة، وكرسي ثمين، وأرفف معتنى بها،وصور لفلاسفة،وربما آلات موسيقية وغيرها، ويدفعنا الفضول لفتح الأدراج السرية في المكاتب تلك، مكاتب هؤلاء الذين قرأنا...
طالب عبد العزيز

هل يستطيع العراق في 2026 أن يهزم الفساد وينزع سلاح الميليشيات؟

جورج منصور يقف العراق مع مطلع عام 2026 عند مفترق طرق حاسم في صراعه الطويل مع ثنائية الفساد المستشري والسلاح المنفلت خارج إطار الدولة. فقد كرَّست العقود الماضية بيئة سياسية هشة، غاب فيها حكم...
جورج منصور

الاستقرار السياسي.. بين حكمة دنغ واندفاع ترامب

محمد سعد هادي يروي «سلمان وصيف خان» في كتابه المهم «هواجس الفوضى: الاستراتيجية الكبرى للصين، من ماو تسي تونغ إلى شي جين بينغ»، حوارًا جرى عام 1989 بين دنغ شياو بينغ والرئيس الأميركي الأسبق...
محمد سعد هادي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram