TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > مشهد واحد من أميركا المنقسمة: حفلة في القصر وإغلاق في الدولة

مشهد واحد من أميركا المنقسمة: حفلة في القصر وإغلاق في الدولة

نشر في: 6 نوفمبر, 2025: 12:03 ص

محمد علي الحيدري

في الوقت الذي تنتظر فيه آلاف الأسر وصول قسائم الطعام المتوقفة ومرتبات موظفين اتحاديين مؤجلة، كانت قاعات مار-أ-لا-غو تضيء بأضواء مهرجانية وحفلة بطابع "غاتسبي" يقيمها رئيسٌ يسعى للظهور في أبهى حلله. ليست المفارقة محض صدفة توقيت؛ بل تجلٍّ رمزيٌّ لحالة عميقة في الحياة السياسية الأميركية: فصل متزايد بين مظهر السلطة وواجبها، بين عروض الوجاهة وواجبات الإدارة العامة.
الإغلاق الحكومي لم يعد مجرد أداة تفاوض برلمانية، بل مؤشر على شلل مؤسساتي. حين تتوقف الخدمات الأساسية، وتتأخر رواتبُ المئاتِ من الآلاف، ويصبح الحصول على دعم غذائي مسألة انتظارٍ مجهول، يتحول الصراع الحزبي إلى واقع يعيشه الناس على مائدة إفطارهم. هذه ليست مجرد أرقام وإجراءات؛ إنها فقدان للثقة في قدرة الدولة على أداء دورها الأساسي كضامن للاشتراك المدني. الدولة في هذه اللحظات تتحول من إطارٍ تنظيمي إلى مسرحٍ للتنازع، والضحية الأولى هي الفكرة نفسها عن الخدمة العامة.
أما حفلة القصر فلها سماحتها الخاصة في السرد السياسي. عندما تختار السلطة الاحتفال في وسط أزمة تمويلية، لا يكون الأمر ترفاً فحسب، بل صورة مركزة عن انقسام القيم: ترفٌ في جهة، وجوعٌ وقلق في جهة أخرى. في رواية "غاتسبي العظيم" تجتمع الفخامة مع الفراغ الأخلاقي، ومع إحياء هذه الصورة في مواجهة عجز حكومي تبدو الرسالة واضحة — ليست فقط إسرافاً، بل إعلان عن أولوية مختلفة؛ أولوية المظهَر على المسؤولية.
المسألة أخلاقية وسياسية في آنٍ واحد. هناك سؤالٌ لا بد من طرحه: كيف تبرر قيادة سياسية إقامة احتفالاتٍ استعراضية بينما تُحمّل العائلات أعباء تعطل الخدمات؟ الجواب لا يكمن في نقد بطولي للعادات الاجتماعية، بل في قراءة لافتة للأنماط التي تُعيد تشكيل الشرعية: شرعية تُقاس بالصورة، لا بالقدرة على إدارة شؤون المواطنين. وعندما تغدو الشرعية مظهراً، تتلاشى المحاسبة وتتعاظم الأزمة.
هذا التوازي بين الاحتفال والحرمان يفضح بالأساس تغيراً في الخطاب السياسي: لم يعد الصراع محصوراً في برامج اقتصادية وسياسات، بل امتد ليشمل نمط العيش والتمثيل. السلطة التي تمارس البذخ في ظل انقطاع الخدمات لا تفقد فقط مصداقيتها أمام من يعانون؛ بل تفقد كذلك الروابط الرمزية التي تربطها بالمجتمع. وفي غياب هذه الروابط، تصبح المؤسساتُ مسرحاً لتمثلات لا تقود إلى حلول، بل إلى مزيد من الاستقطاب.
في نهاية المطاف، الإغلاق والحفلة معاً هما مرآتان لذات الانقسام: الأولى تُظهر شلل الآليات الإدارية، والثانية تُظهر تفكك الحس الأخلاقي لدى من يملك زمام القرار. لحظة واحدة تكفي لالتقاط الصورة: أنوار احتفالٍ ساطعة تُخفي ظلال مواطنين ينتظرون أبسط حقوقهم. هذا ليس مجرد حدث يعبر عنه بتقارير إخبارية، بل اختبارٌ لمدى ثقافة القيادة ولفعالية مشروع الدولة نفسها. السلطة التي تأنس بالضوء بينما تطفئ أنوار مؤسساتها، تواجه نوعاً من الإفلاس أشدّ وقعاً من أي أزمة مالية — إفلاس في الوعي والمسؤولية.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق منارات

الأكثر قراءة

العمود الثامن: مراد وهبه وعقل الأخوان

العمود الثامن: عباس الأبيض فـي اليوم الأسود

العمود الثامن: فتاة حلب

العمود الثامن: متى يتقاعدون؟

قناطر: البصرة بعين (أوليا جلبي) قبل نصف قرن

العمود الثامن: حكاية سجاد

 علي حسين أقرأ في الاخبار خبر الافراج عن المتهمين باختطاف الشاب سجاد العراقي، وقد اخبرتنا المحكمة مشكورة ان قرارها صدر بسبب "عدم كفاية الادلة"، تخيل جنابك ان دولة بكل اجهزتها تقف عاجزة في...
علي حسين

قناطر: عن الثقافة وتسويقها

طالب عبد العزيز تدهشنا مكاتبُ الشعراء والكتاب والفنانين الكبار، بموجوداتها، هناك طاولة مختلفة، وكرسي ثمين، وأرفف معتنى بها،وصور لفلاسفة،وربما آلات موسيقية وغيرها، ويدفعنا الفضول لفتح الأدراج السرية في المكاتب تلك، مكاتب هؤلاء الذين قرأنا...
طالب عبد العزيز

هل يستطيع العراق في 2026 أن يهزم الفساد وينزع سلاح الميليشيات؟

جورج منصور يقف العراق مع مطلع عام 2026 عند مفترق طرق حاسم في صراعه الطويل مع ثنائية الفساد المستشري والسلاح المنفلت خارج إطار الدولة. فقد كرَّست العقود الماضية بيئة سياسية هشة، غاب فيها حكم...
جورج منصور

الاستقرار السياسي.. بين حكمة دنغ واندفاع ترامب

محمد سعد هادي يروي «سلمان وصيف خان» في كتابه المهم «هواجس الفوضى: الاستراتيجية الكبرى للصين، من ماو تسي تونغ إلى شي جين بينغ»، حوارًا جرى عام 1989 بين دنغ شياو بينغ والرئيس الأميركي الأسبق...
محمد سعد هادي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram