TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > عندما يجفُّ دجلة!

عندما يجفُّ دجلة!

نشر في: 13 نوفمبر, 2025: 12:02 ص

رشيد الخيون

لو قُيِّضَ للأنهار كتابة يومياتها، لكان دجلة أكثرها أحداثاً، فكم حضارة، سادت ثم بادت، نشأت على شاطئيه، وغمرها ماؤه، مِن أول جريانه وحتَّى جفافه، هكذا تناقلت الأخبار، أنَّ المنبع حُجب بالسُّدود العملاقة حجباً مُحكماً، مع أنَّ العدالة في المياه مِن حقّ الدول المتشاطئة، بينما جريانه داخل العِراق (1400كم) مِن (نحو 1800كم)، فماذا يحدث بجفافه، سيكون وادٍ «غير ذي زرع»، يُبحث فيه عن الماء. حسناً فعل مَن سبق الحدث وصنّف لتاريخ دجلة «فيضانات بغداد»، قصّ فيه أحمد سوسة قصة النَّهر العملاق، الذي كان مِن أربعة ذُكرت في «الكتاب المقدس»(حداقل).
مَنْ لم يوظف الكناية: «إذا حضر الماء بطل التيمم»! في الإشارة إلى المفاضلة بين شيئين أو شخصين، ولا أظن أنَّ أهل العراق أكثروا من توظيف الكناية، مثلما لا أظن أن لجأ أهل الأهوار والمجاورين للشطّ والنهرين والزابين إلى أداء صلاة الاستسقاء لزرعهم وضرعهم! إلا أن المصيبة لم نسمع بدولة تحولت مياهها إلى تراب، ونباتها الطري شوكاً وعاقولاً، ونسيمها بريح السموم، مثلما حصل لدلتا النهرين الأهوار، وعيون الماء في الجبال!
وهناك ما يُشبع الفضول في ربط العراق بالماء، حيث أقام، ونما على أرضه الصابئة المندائيون، ومعلوم أن عبادتهم تعتمد ماء الأنهر الحي. ومثالاً على شهرة هذه البلاد بالماء يُروى أن أحدهم سأل النبي محمد(ص)، وهو يتجّه مع رجل من أصحابه إلى موضع بدر (رمضان 2 من الهجرة)، بلا سابق معرفة: «ممَنْ أنتما؟ فقال رسول الله (ص): نحن من ماء! ثم انصرف عنه. قال: يقول الشيخ: ما من ماءٍ؟ أمِنْ ماء العراق!» (الطَّبري، تاريخ الأمم والملوك). وفي اقتران العراق بالماء قال الشاعر: «ارفق بعبدك إنّ فيه فهامةً/ جبليةً ولك العراق وماؤها" .
هذا، والحديث حول ماء العراق ذو شجون، فإن تحدثنا عن دجلة وروافدها، والزابين، والفرات، لأشار البردي والقصب بأطرافهما، وليس لنا إهمال ما أورده عمرو بن بحر الجاحظ (ت 255ه) في أهوار جنوب العراق، حيث دلتا دجلة والفرات، من كلام موجز وبليغ.
قال: «لو اجتهد أعلم الناس، وأنطق الناس أن يجمع في كتاب واحد منافع هذه البطيحة، وهذه الأجمة لما قدر عليها. قال زيد: قصبة خير من نخلة. وبحق أقول: لقد جهدت جهدي أن أجمع منافع القصب ومرافقه وأجناسه، وجميع تصرفه وما يجيء منه فما قدرت عليه حتى قطعته، وإنما معترف بالعجز مستسلم له» (كتاب البلدان) .
وهذا بشار بن بُرد قال في صفاء ماء الرافدين رداً على الكوفيين، وهو ينساب إلى البصرة عبر البطائح (الأهوار): «الرافدان توافى ماء بحرهما/ إلى الأبلة شرباً غير محضور " .
عندما يجفُّ دجلة لا يجفُّ ماؤه فقط، تجفُّ ثقافة وأدب، ويهاجر البشر، فقد بنوا مدنهم على الماء، سيرحل الصَّيادون، وينعدم الغذاء، الذي كان يهبُه ماؤه، من أسماك وطيور وزروع، ستتصل كرخ بغداد برصافتها بلا جسور، وما بنيت بغداد ومُصرت عاصمة إلا بوجود دجلة، سيمتد أذى الجفاف إلى العراق كافة، وستتأثر البحار التي تُغذيه بالماء.
ستتأثر الأمطار، فلم تنشأ السُّحب منه، وتشتد عواصف الأغبرة. إنَّ جفاف دجلة أكثر خراباً مِما تتركه الحروب، باجتياح أو غزو، لأنه يقضي على واحد مِن أهم وأخطر أسباب الحياة، وكم مِن غزو شهدتها بغداد، وأحالتها خراباً، ويُعاد إعمارها بماء نهرها.
يُفهم مما تقدَّم أن العراق مقرون بماء رافديه، وها هو القرين بخطر، ولو بيع لبيع مثلما يباع النَّفط عبر صهاريج، وأنابيب بلا عدادات، ولتقاسمت الأحزاب الأنُهر والشطوط، لكنهم فرطوا ولم يحافظوا على النَّهر.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق منارات

الأكثر قراءة

العمود الثامن: مراد وهبه وعقل الأخوان

العمود الثامن: عباس الأبيض فـي اليوم الأسود

العمود الثامن: فتاة حلب

العمود الثامن: متى يتقاعدون؟

قناطر: البصرة بعين (أوليا جلبي) قبل نصف قرن

العمود الثامن: حكاية سجاد

 علي حسين أقرأ في الاخبار خبر الافراج عن المتهمين باختطاف الشاب سجاد العراقي، وقد اخبرتنا المحكمة مشكورة ان قرارها صدر بسبب "عدم كفاية الادلة"، تخيل جنابك ان دولة بكل اجهزتها تقف عاجزة في...
علي حسين

قناطر: عن الثقافة وتسويقها

طالب عبد العزيز تدهشنا مكاتبُ الشعراء والكتاب والفنانين الكبار، بموجوداتها، هناك طاولة مختلفة، وكرسي ثمين، وأرفف معتنى بها،وصور لفلاسفة،وربما آلات موسيقية وغيرها، ويدفعنا الفضول لفتح الأدراج السرية في المكاتب تلك، مكاتب هؤلاء الذين قرأنا...
طالب عبد العزيز

هل يستطيع العراق في 2026 أن يهزم الفساد وينزع سلاح الميليشيات؟

جورج منصور يقف العراق مع مطلع عام 2026 عند مفترق طرق حاسم في صراعه الطويل مع ثنائية الفساد المستشري والسلاح المنفلت خارج إطار الدولة. فقد كرَّست العقود الماضية بيئة سياسية هشة، غاب فيها حكم...
جورج منصور

الاستقرار السياسي.. بين حكمة دنغ واندفاع ترامب

محمد سعد هادي يروي «سلمان وصيف خان» في كتابه المهم «هواجس الفوضى: الاستراتيجية الكبرى للصين، من ماو تسي تونغ إلى شي جين بينغ»، حوارًا جرى عام 1989 بين دنغ شياو بينغ والرئيس الأميركي الأسبق...
محمد سعد هادي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram