TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > شراكة تحت المراقبة: واشنطن ودمشق بين الاختبار والاحتواء

شراكة تحت المراقبة: واشنطن ودمشق بين الاختبار والاحتواء

نشر في: 16 نوفمبر, 2025: 12:02 ص

محمد علي الحيدري

ما جرى في البيت الأبيض بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والرئيس السوري المؤقت أحمد الشرع لا يمكن وصفه بتحالف، بل هو بداية شراكة مشروطة، أقرب إلى اختبارٍ سياسيٍّ متبادلٍ منه إلى تقاربٍ استراتيجيٍّ متين. فالولايات المتحدة لم ترفع العقوبات، بل جمّدتها مؤقتًا، وهو ما يعني أن العلاقة لا تزال في مرحلة “المراقبة المعمّقة”، لا في مرحلة الثقة.
تقرأ واشنطن المشهد السوري بعين المصلحة الباردة: نظام الأسد انتهى، لكن لا بد من بديلٍ يمكن ضبطه، لا بد من “سوريا يمكن التعامل معها” من دون أن تعود إلى حضن موسكو أو طهران. أمّا أحمد الشرع، فيدرك أن بقاءه السياسي مرهونٌ بقدرته على إقناع الأمريكيين بأنه ليس خصمًا عقائديًا، ولا تابعًا كاملًا، بل رجلٌ يمكن التفاهم معه ضمن حدودٍ مقبولة.
العقوبات المجمدة هنا ليست مجرد أداة ضغطٍ اقتصادية، بل آلية تحكمٍ سياسيٍّ تُبقي القرار السوري في حالة تعليقٍ دائم، ريثما تتضح ملامح التوجّه الداخلي للحكومة الجديدة. فالإدارة الأمريكية تعلم أن رفع العقوبات يعني منحه شرعيةً دوليةً كاملة، وهي ورقة لن تُمنح مجانًا. لذلك جاءت الخطوة على شكل “مهلة مراقبة” تمتد لـ180 يومًا، تختبر خلالها واشنطن التزامات دمشق في ملفات الإرهاب والحدود والعلاقات الإقليمية.
في المقابل، لا يخلو سلوك الشرع من دهاءٍ سياسيٍّ؛ فالرجل، الخارج من ظلال جماعاتٍ متشددة، يحاول أن يقدّم نفسه نموذجًا لـ”التحوّل الواقعي”، مستفيدًا من رغبة واشنطن في طيّ صفحة الحرب السورية عبر شريكٍ محليٍّ قوي. لكنه يدرك أيضًا أن الانفتاح الأمريكي مشروطٌ بإضعاف نفوذ إيران وروسيا، أي إن تحالفه الجديد قد يفتح له الباب نحو واشنطن لكنه يغلقه أمام حلفاء الأمس.
بهذا المعنى، ليست العلاقة الراهنة تحالفًا، بل صفقةٌ مُراقَبة، يتبادل فيها الطرفان الأدوار: أمريكا تمنح الاعتراف الجزئي، وسوريا تقدّم الطاعة الجزئية. كل طرفٍ يراقب الآخر وهو يبتسم أمام الكاميرات.
إنها مرحلةٌ انتقاليةٌ دقيقةٌ في العلاقات بين البلدين، قد تفتح الباب أمام انخراطٍ حذرٍ ومتدرّج، أو تنتهي بتبدّد الثقة الهشّة عند أول اختبارٍ ميدانيٍّ أو سياسيٍّ. وما بين الرغبة في الانفتاح والخوف من الانزلاق، تبقى العلاقة بين واشنطن ودمشق شراكةً تحت المراقبة—تجمعها المصالح وتفرّقها الذاكرة.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق منارات

الأكثر قراءة

العمود الثامن: مراد وهبه وعقل الأخوان

العمود الثامن: عباس الأبيض فـي اليوم الأسود

العمود الثامن: فتاة حلب

العمود الثامن: متى يتقاعدون؟

قناطر: البصرة بعين (أوليا جلبي) قبل نصف قرن

العمود الثامن: حكاية سجاد

 علي حسين أقرأ في الاخبار خبر الافراج عن المتهمين باختطاف الشاب سجاد العراقي، وقد اخبرتنا المحكمة مشكورة ان قرارها صدر بسبب "عدم كفاية الادلة"، تخيل جنابك ان دولة بكل اجهزتها تقف عاجزة في...
علي حسين

قناطر: عن الثقافة وتسويقها

طالب عبد العزيز تدهشنا مكاتبُ الشعراء والكتاب والفنانين الكبار، بموجوداتها، هناك طاولة مختلفة، وكرسي ثمين، وأرفف معتنى بها،وصور لفلاسفة،وربما آلات موسيقية وغيرها، ويدفعنا الفضول لفتح الأدراج السرية في المكاتب تلك، مكاتب هؤلاء الذين قرأنا...
طالب عبد العزيز

هل يستطيع العراق في 2026 أن يهزم الفساد وينزع سلاح الميليشيات؟

جورج منصور يقف العراق مع مطلع عام 2026 عند مفترق طرق حاسم في صراعه الطويل مع ثنائية الفساد المستشري والسلاح المنفلت خارج إطار الدولة. فقد كرَّست العقود الماضية بيئة سياسية هشة، غاب فيها حكم...
جورج منصور

الاستقرار السياسي.. بين حكمة دنغ واندفاع ترامب

محمد سعد هادي يروي «سلمان وصيف خان» في كتابه المهم «هواجس الفوضى: الاستراتيجية الكبرى للصين، من ماو تسي تونغ إلى شي جين بينغ»، حوارًا جرى عام 1989 بين دنغ شياو بينغ والرئيس الأميركي الأسبق...
محمد سعد هادي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram