قيس قاسم العجرشأسوأ ما في الدكتاتوريات العربية أن لا ذائقة لها في فن المكياج السياسي.العرف في السير الذاتية العالمية للطغيان جرى في العادة على أن تتجمل السلطة القبيحة بوجوه جميلة تحيطها أو أخرى عذبة اللسان تجالسها أو أخرى "مثقفة"أو أخرى تحسن ليّ أعناق الحقائق أو أخرى تحتفل في ساحات فنية إبداعية لتزيح الأنظار عن عورة الدكتاتورية ولو مؤقتاً.
بعض الدكتاتوريات الأوروبية السابقة كانت على علاقة وثيقة بالمسرح وبعضها دعم السينما فأنتجت خوالد فنية وبعضها مسح بالرضى على رؤوس فنانين جعل أقلامهم تفيض أدباً وشعراً وفلسفة.البليّة عندنا أن القبيح المتسلط تعود أن يتناشز مع بهاء الملك ويده الموسرة في الغدق على الإبداع، (في أحد القصور التي تركها صدام كان هناك مرمر تشيكي أحمر يتعشّق مع دروع برتقالية منقوش عليها بالأزرق الفيروزي أسماء المعارك الدموية التي اشتهر بها عراق الثمانينيات)، أزرق وبرتقالي وأحمر ودروع، في مشهد لوني مضحك كأنه افتتاح لعرس تحييه راقصات غجرية على ساحة من تراب تطلق فيه العيارات النارية الى الصباح.غاب صدام و لم تغب هذه الصفة (اللطخة) من مشهد السلطة، قبح في المظهر الى حد الغثيان وتناشز دميم في الشكل الخارجي لقشرة الحاكم تكشف ما يصر عليه.الدكتاتوريات العربية هي الأخرى اثبتت بالدم أنها متصاهرة الى النخاع.فجوقة المبخّرين الذين كان من دواعي استعمالهم وتوليتهم أن ينافحوا عن الأسياد لم يحسنوا لا الظهور ولا الكلام.كل ما أدّوه من مشاهد في الإعلام كان عبارة عن استذكار لأطنان من الرطانة الكلماتية التي كانت ترتد و تردد مثل كرة الطاولة على مرّ عقود ظلماء.تحدث كهنة في الإعلام السوري عن أن دمشق هي المستهدفة لأنها دولة الممانعة الأخيرة تجاه إسرائيل (دولة الممانعة كلمة أول ما وردت في خطاب سوري رسمي تلا حرب 1973)، كما تحدث القذافي عن إمبريالية وحشية تستهدف النظرية الثالثة المرشحة لقيادة العالم الحر!.وتحدث مبارك قبيل الرحيل عن إسلاميين يسمع هو وحده زفيرهم وهم يتهيأون لقضم عرش مصر.. وفي البحرين كانت حمولة عربة من الكلمات الرديفة والأصيلة لمفردة الطائفية تستولد وتفرخ كما الذباب في الخطاب الرسمي الحكومي.في العراق، ربما نعيش اختلافاً جذرياً، ولأننا بلد يمثل التجربة الأولى في الديمقراطية العربية، فالأمر يختلف.. فلدينا بعثيون وإرهابيون يتحينون اصطياد الفرص للتسلل والتسرب عبر صفوف المواطنين لينفذوا مآربهم الدنيئة.. ولذلك فإن هراوات الشرطة وأعقاب البنادق ستكون لهم بالمرصاد وستكتشفهم بدقة وتميزهم خلال لحظات عن المتظاهرين المطالبين بالخدمات ومحاربة الفساد.. وستكتشفهم بواسطة أجهزة سونار مستوردة.. أثبتت فاعليتها في شوارع بغداد!
لم يشتروا أسماءً ولا أذواقاً

نشر في: 25 مارس, 2011: 09:42 م







