لطفية الدليمي1التحريض على الجمال طراز من الفعل الفني يقترفه غواة متصوفون ومحبو حياة ، التحريض إغواء خفي على المضي بعيدا ، يحاول أحدنا - عبره تطويع الخراب وترويض الزمن الموحش ، الأيام مختلة في بغداد ومدن العرب ، ولا بوصلة للروح سوى وهجات من الفن والأدب الصافي تنير اللحظة العابرة،عالمنا فوضى مكتملة الأركان من الجهل السياسي والأمية الفنية والخراب الروحي، ولاشيء ينتشلنا من سديم العشوائية غير الفن ودخول افق الحلم بمشاهدة فيلم استثنائي.
2كنت في حوار سريع مع الناقد الصديق علاء المفرجي ، حوارنا كان عن سحر السينما ، عن متعة الهروب الى الحلم برهة نسيان،متعة حرمت منها مدينتنا منذ عقود ، تحدثنا صمتا عن بغداد التي بلا سينمات ،لم نقل ذلك إنما تضمنته حسرتنا على مدينتنا ،تمنيناها مثل أية مدينة متحضرة تتلألأ شوارعها بأنوار السينمات والمسارح، لم نفصح عن هذه الامنيات فبلادنا الآن بلاد المستحيل، مدن أخرى في بلدان فقيرة تحفل بعشرات دور السينما والمسارح،كتمنا تلك الامنيات التي بدت أمراً بطِراً في زمن انمساخ المدينة على أيدي رعاة الخراب، كلانا من عشاق السينما وأنا التي كانت مكتبتي تضم اكثر من ألف فيلم من أشهر الأفلام الكلاسيكية وأفلام الجوائز ونوادر التحف السينمائية (سرقت جميعها من بيتي المهجور حين اقتحمه المارينز والقوات العراقية محطمين أبوابه وتبعهم مسلحون وبعض اللصوص وغيرهم وانا في غربتي) ، قال لي علاء ونحن نثني على سحر السينما : أتمنى ان تشاهدي فيلم (خطاب الملك) فيلم استثنائي ،سوف يدهشك ..) أتى تحريض علاء في أوانه ، هل يمكنني مقاومة تحريض على اقتناص الجمال ؟؟ للمصادفة الغريبة وأنا أقلب الصحف بعد ساعة، إذا بي أمام صورة الممثل البريطاني الفذ (كولن فيرث) تتصدر إعلاناً عن (خطاب الملك): الفيلم يعرض في سينما (غراند سيتي) في عمان..rn3 يوم الأثنين 21 آذار عيد نوروز و عيد الام اجتماع العيدين معاً له علاقة برمزية الخصوبة ونهوض الحياة وهو تقليد عراقي يرقى الى العصر السومري - رأس السنة البابلية وفي سومر تبدأ احتفالاتها من 21 آذار وتستمر الى الأسبوع الأول من نيسان -، عيد ابتداء الحرية التي نؤمن ونعمل من اجل نهوضها وسطوعها، الام مهد حرية وملاذ ، لن أقول عن الذكورة وسلطتها القامعة شيئاً لئلا يخاصمني بعض الأصدقاء ، هنأتني ابنتي بعيد الأم وأنا أستدعي نشوة الربيع النوروزي بأشذاء ياسمين وورد ، سألتني: ماما ، ما الذي تودين أن نعمله هذا اليوم ؟؟- نشاهد (خطاب الملك) .. مثل صغار حررهم العيد من تزمت الكبار وعقلانيتهم - اشترينا من ركن البيع الانيق داخل السينما الفارهة -الذرة الشامية بعلبة كارتون كبيرة مع الكولا وعصير التفاح والشيكولاتة حملنا عدة العيد معنا، منذ متى لم نحتفل بعيد بأسلوب صبياني ؟؟ لفرط متعتنا (بخطاب الملك) أهملنا ما اشتريناه في القاعة ، نسينا الشيكولاتة والشامية ، انبهرنا ، ضحكنا ، انسحرنا، ولم يكن في القاعة سوانا وثمانية اشخاص حسب ، تساءلنا : ما الامر ؟؟ ،حسن ، وجدنا الإجابة ، الفيلم نخبوي وجمهور السينما العربي دجنته افلام اللمبي والكوميديا التهريجية وافسدت ذائقة الجيل مسلسلات التليفزيون التي ترتبط بوشائج التفاهة مع الافلام العربية ماركة اللمبي واشباهه..rn4.منذ زمن لم اشاهد فيلما بهذه الحرفية السينمائية الرفيعة ، تحفة متقنة وأداء سماوي حملني إلى عصور آلهة الاوليمب مع ان الفيلم لاعلاقة له بالإغريق ، ولا أساطيرهم ، كانت الأسطورة الحقيقية في الفيلم هي الأداء الرفيع وفرادته، لم تعن لي حبكة القصة إزاء الأداء الباهر لجيفري راش ، الإنكليزي الاسترالي في الفيلم وفي الحقيقة ، مختص بإصلاح مشاكل النطق ، رجل يملك مفاتيح الشخصية الإنسانية ، يبني الثقة ، يقيم الوشائج، يؤسس لحوار متوتر وممتلئ باستشهادات حاذقة من شكسبير ، تنبني الدراما على الحوار والأداء وحدهما ولااغفل دور الموسيقى ، جيفري راش ساحر من زمن الشكسبيريات العظيمة ، مدهش بأجوائه الآسرة، مهتم بالتفاصيل العادية ، يلعب دور ممثل مع أولاده، يمثل طوال الوقت ، ومع الملك يلعب دور الطبيب وما هو بطبيب هو (ليونيل لوغ) معالج النطق حسب، يلعب دور
قناديل: خطاب الملك وسحر السينما في نوروز

نشر في: 26 مارس, 2011: 06:36 م







