TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > قناطر: لا أحبُّ الغناء العراقي .. لكن

قناطر: لا أحبُّ الغناء العراقي .. لكن

نشر في: 26 نوفمبر, 2025: 12:04 ص

طالب عبد العزيز

بعيداً عن احتجاج اتباع السيد الخامنئي والذين معهم في البصرة على حفل محمد عبد الجبار، الذي ألغي- بالمناسبة لا أحبُّه مطرباً- وشخصياً؛ قلما تثيرني أغنية عراقية-لكنَّ البصرة ليست مدينة دينية، أو حشدية ومقدسة، وهي ليست شيعية بالمطلق، كما يريد تصويرها هؤلاء، كما لا يتبع كلُّ سكانها الشيعة مرجعيات النجف وقم، إنما هي ككثير من محافظات البلاد الأخرى، مدنية اختلاط ودخولات، حضرية، ثقافية، اقتصادية، ويضاف لها أنها بحرية، وتحادد ثلاث دول إقليمية، كما لا يمكن النظر اليها بوصفها مدينة تشدد ديني، إنّما هي مدينة غير طاردة، مستقبلة لكثير من الاقوام والديانات والطوائف والمذاهب منذ تاسيسها الى اليوم.
استقواء بعض الجهات بالمذهب، والعزف على وتر المناسبات الدينية، واستثمار جهل العامة، والترهيب بالسلاح لا يبني الانسان من الداخل، ولا يخلقُ شعباً (متديناً، مجاهداً) وإقامة حفل غنائي في فندق محدود المساحة، لمطرب لا يهدُّ ديناً، ولا يزعزع طائفةً، و معتقداً، ما يهدُّ ويزعزع المجتمع والدين والانسان هو الفساد، والنهب الممنهج؛ للمال العام، واستمراء الخيانة، وإساءة استخدام السلطة، والعفو عن المجرمين، وتبرئة تجار المخدرات، وسحق وجدان الانسان من الداخل عبر عشرات الممارسات الخاطئة. وليعلم الذين قادوا التظاهرة وارعبوا الناس بأنَّ (دفتراً أو دفترين) من الوريقات الخضر بإمكانها تغيير وجهة التظاهرة، لأنَّ عشرات الحفلات الغنائية والراقصة والتي ينفق فيها المال الحرام إنّما تقام ليلياً في أربيل وبيروت وبغداد والبصرة وغيرها تقام من قبل الكبار الكبار، من الذين تعرفونهم حقَّ المعرفة، لا من الفقراء والمخدوعين الذين ساروا بركبكم.
ثم، ألا يلاحظ هؤلاء بأنَّ التشدد في الدين وحجب مظاهر الحياة الحضرية والمدنية في الثقافة والفنون والآداب في البصرة وغيرها أنتج ردود أفعال هي الأسوأ على حياة الناس، مثل محال المساج والتجميل بتمظهراتها المعروفة، وصالات القمار المعلنة والخفية، ونوادي الشرب غير المرخصة، وتعاطي الفواحش بمختلف صورها، التي أنتجت لنا مجتمعاً مشوّهاً، انحرف عن مسار التنمية باتجاه العلوم والتكنولوجيا، ألا ينظر هؤلاء الى ما يحدث من تطاول على الشركات التي تنفذ المشاريع الخدمية في الاقضية والنواحي في الجنوب؛ وشمال البصرة بخاصة، ألا ينظر هؤلاء بأمِّ أعينهم الى النزاعات العشائرية التي تستخدم فيها الأسلحة الخفيفة والمتوسطة، ألا يعرف هؤلاء من يقف وراء ذلك كله؟، وما الذي يحول دون استطاعة الدولة في السيطرة على الذين يعبثون بأمن وحياة الناس والبلاد جهاراً نهاراً؟ دسُّ الرأس في التراب؛ عبر التصدي لأغنية عابرة لا يقوّم حياةً. مؤسف قولنا بأن الممارسات هذه أنتجت لنا شعباً يتفقه بالحلال والحرام ولا يستعين بالعقل والعلم.
من ينظر الى ما قام به أحدُ المرشحين الإسلاميين من عملية احتيال في تأميل ناخبيه بإيجاد فرصة تعيين لهم في الحشد الشعبي يكشف لنا آلية الخداع التي ينقاد لها الفرد العراقي، فهذه أفعال لا تخرج عن قاعدة مفاتيح الغرف والوعد بالجنة، التي كانت تمارسها الكنيسة في عصر ما قبل النهضة باوربا، وإن كانت شائعة بيننا في دول عربية عدة. الى متى سيبقى الاستغفال آلةً في التجهيل وكسب الأصوات؟ وحتى متى سيظل الشعب ينوء تحت تهديد البندقية والعبوات الصوتية و المسدس الكاتم؟ ألا ينظر هؤلاء الى المحيط العربي والإقليمي، وما حدث ويحدث في ايران وسوريا والسعودية ولبنان من متغيرات؟ ولماذا يلجأ العراقيون دائما الى المُغيّر والفاعل الأجنبي في إحداث النقلة القادمة؟

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق منارات

الأكثر قراءة

العمود الثامن: مراد وهبه وعقل الأخوان

العمود الثامن: عباس الأبيض فـي اليوم الأسود

العمود الثامن: فتاة حلب

العمود الثامن: متى يتقاعدون؟

قناطر: البصرة بعين (أوليا جلبي) قبل نصف قرن

العمود الثامن: حكاية سجاد

 علي حسين أقرأ في الاخبار خبر الافراج عن المتهمين باختطاف الشاب سجاد العراقي، وقد اخبرتنا المحكمة مشكورة ان قرارها صدر بسبب "عدم كفاية الادلة"، تخيل جنابك ان دولة بكل اجهزتها تقف عاجزة في...
علي حسين

قناطر: عن الثقافة وتسويقها

طالب عبد العزيز تدهشنا مكاتبُ الشعراء والكتاب والفنانين الكبار، بموجوداتها، هناك طاولة مختلفة، وكرسي ثمين، وأرفف معتنى بها،وصور لفلاسفة،وربما آلات موسيقية وغيرها، ويدفعنا الفضول لفتح الأدراج السرية في المكاتب تلك، مكاتب هؤلاء الذين قرأنا...
طالب عبد العزيز

هل يستطيع العراق في 2026 أن يهزم الفساد وينزع سلاح الميليشيات؟

جورج منصور يقف العراق مع مطلع عام 2026 عند مفترق طرق حاسم في صراعه الطويل مع ثنائية الفساد المستشري والسلاح المنفلت خارج إطار الدولة. فقد كرَّست العقود الماضية بيئة سياسية هشة، غاب فيها حكم...
جورج منصور

الاستقرار السياسي.. بين حكمة دنغ واندفاع ترامب

محمد سعد هادي يروي «سلمان وصيف خان» في كتابه المهم «هواجس الفوضى: الاستراتيجية الكبرى للصين، من ماو تسي تونغ إلى شي جين بينغ»، حوارًا جرى عام 1989 بين دنغ شياو بينغ والرئيس الأميركي الأسبق...
محمد سعد هادي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram