حازم مبيضينتباينت الروايات حول ما حدث الجمعة عند دوار الداخلية في العاصمة الأردنية، حيث كان اعتصام لمجموعة من المطالبين بإصلاحات دستورية، تعرض بعد أن أدى المجتمعون صلاة الجمعة، إلى هجمات من مواطنين ظنوا أنهم بفعلهم هذا يدافعون عن النظام، ونجم عن اشتباك الطرفين تدخل قوات الدرك التي انتهجت الغلظة في تفريق الفريقين، وأزالت من الدوار كل مظاهر الاعتصام، الذي كان مقرراً استمراره حتى تحقيق مطالبه، التي ركزت على تعديلات دستورية تحد من سلطات الملك شبه المطلقة، وتعيد للشعب سلطته،
من خلال قانون انتخابات يتيح للمواطنين انتخاب قيادتهم التنفيذية والتشريعية في آن معاً، وربما على نمط الديمقراطيات الغربية، والمؤكد أن قوى الشد العكسي الواثقة أن ذلك سيحد من امتيازاتها، هي من حرك المضادين للاعتصام، الذي ظل المشاركون فيه يرددون هتاف "سلمية سلميه" لكنهم في الوقت ذاته طالبوا بإلغاء دائرة المخابرات، وكانوا يقصدون الحد من تدخلها في كل مناحي الحياة، وخصوصاً في حراك طلاب الجامعات، الذين يبدو أنهم يشكلون العصب الرئيس في اعتصام الداخلية.سقط قتيلان هما أول شهيدين في الحراك الشعبي المستمر منذ حوالي الثلاثة أشهر في عمان، والمهم أنهما لم يسقطا برصاص قوات قمع الشغب، وإن كان البعض يتهمها بضرب أحدهما على رأسه حتى الموت، لكن من المهم جداً ملاحظة أن الدم سال في عمان، التي حافظت على تعامل حضاري مع المحتجين، وبما يطرح سؤالاً عن تحول محتمل في التعامل الحكومي مع الاعتصامات، التي تجاوز عددها المئة يومياً وفي مختلف القطاعات، خصوصاً وأن رئيس الوزراء هاجم مساء الجمعة الإسلاميين، متهماً إياهم بتحريض الشارع، وقال إن الحكومة لن تسكت على التجاوزات، متهماً جماعة الإخوان المسلمين بالوقوف وراء تواصل العمليات الاحتجاجية، في حين استقال عدد كبير من لجنة الحوار الوطني، التي شكلت مؤخراً لدراسة انطلاق عملية إصلاح شاملة، وفي حين دعت شخصيات أردنية رئيس الوزراء للاستقالة الفورية، لئلا يتحمل مسؤولية ما حصل عصر الجمعة، واصفين اعتصام الداخلية بالسلمي المتميز بالروح الوطنية العالية، والالتحام الشبابي من كل المحافظات ومن أبناء العشائر والتيارات السياسية الوطنية،على مطالب إصلاح الدستور، واجتثاث الفساد والتحول الديمقراطي، فإنهم اتهموا "فرقة البلطجية" التي اعتدت على معتصمي الداخلية بأنها فرقة منظمة من قبل الجهات الأمنية" وشددوا أن الدماء التي سالت على دوار الداخلية وضعت حداً لمرحلة المناورات، وبدأت معها مرحلة نضالية جديدة، انكشف فيها حكم القوة والبلطجة التي لن تصمد أمام قوة الشعب.السؤال المرتسم بالدم على دوار الداخلية يتعلق بمن هو صاحب المصلحة في التأزيم المتعمد، هل هم المحتجون الذين يرفعون سقف مطالبهم يومياً، أم هي قوى الشد العكسي الساعية للمحافظة على مكاسبها وامتيازاتها، أم هم الفاسدون المقاتلون اليوم لمنع عجلة الإصلاح من الانطلاق خشية كشف طوابقهم، أم هو النظام نفسه الراغب في الاستمرار بما كان سائداً والسير بخطى متأدة وبطيئة في عملية إصلاح ربما يستفيد منها أحفادنا، لكن المهم أن نعي أن أي اتهام لقوى خارجية كما حصل في كل مراحل الاحتجاجات التي تحولت إلى ثورات في عالمنا العربي ابتداءً بتونس وليس انتهاءً بليبيا واليمن، سيلاقي السخرية والإدانة والتصعيد أيضاً، والمهم أيضاً أن واقع المجتمع الأردني المنقسم بين شرق النهر وغربه، من حيث أصول السكان سيشهد صراعاً، تسعى الكثير من القوى لاستنهاضه، بغض النظر عن موقع البلد بجوار الوطن المحتل، من عدو ينتهز كل الفرص لنقل أزماته الداخلية إلى دول الجوار، ويستسهل الساحة الأردنية بتعقيداتها الناجمة عن تطور الدولة تبعاً لإيقاع الجوار، وليس اتساقاً مع نواميس الطبيعة.
الجمعة الملتبسة في عمان

نشر في: 26 مارس, 2011: 08:07 م







