TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > قناطر: الحياة ومهنة الاحاسيس الشاقة

قناطر: الحياة ومهنة الاحاسيس الشاقة

نشر في: 30 نوفمبر, 2025: 12:03 ص

طالب عبد العزيز

أهربُ الى السينما؛ الى أفلام ريتشارد كير وجولي روبتس ميريل ستريب ودانيال دي لويس وانتوني هوبكنز وأنجيلا جولي وسواهم كلما ضاقت الدنيا علي، وأطبقت بدوامتها التي تلاحقني في أمكنة كثيرة، ليس أقلها العائلة الكبيرة؛ ولا أكثرها الواقع السياسي والاجتماعي والديني، هناك ضيق في صدري، يشبه الألم، أو هو ألم من نوع آخر، أرجو أن لا يكون عارضاً صحياً في القلب، اتحسسه كلما سمعت خبراً سيئاً، وإن أقلَّ سوءاً، أو عرضت أزمة لا سبيل الى حلها، ليست كلُّ الازمات شخصية، فأنا موجوع بأزمات البلاد ايضاً، وأذهب بآلامي وأوجاعي الى غزة ولبنان وايران وأوكرانيا وفنزويلا ايضاً، هكذا والله، حتى أنني أرددُ دائماً ما كتبه الشاعر الروسي سيرجي يسينن لأمه:" مبكراً حكم عليَّ بأشغال الاحاسيس الشاقة".
نحن نمتهن الحياة بشيئ من الخطأ، أو نحن مرضى العيش، وهناك تدرجات لا تعقل في تسرب المرض الينا ومثلها في التعافي منه، وحين يقتفي أحدنا مسيرة حياته سيعثر على الخطأ ذاك. أنْ تولد وتأكل وتعي وتسكن وتتزوج وتعمل وتكون .. فهذا ما يشترك الانسان فيه مع قرينه في مكان آخر، إذْ أنَّ(مهنة العيش) بتعبير بافيزي، الذي فشل في حرفة الحياة، لا تعني المفاصل التي أوردناها، فهذه مشتركات بين المخلوقات الفقرية كافة، بما فيها نحن. نحن نخفق في امتهان الحياة لا بسبب شضح في الهواء والماء والطعام والعمل والسكن إنما بسبب عدم قدرتنا على العيش داخل المشاعر والاحاسيس الإنسانية، بسبب عدم قدرتنا على المواءمة بين المادي والمثالي(الروحي) هل فكّر أحدُ السياسيين في البرلمان يوماً بحاجتنا الى السينما على سبيل المثال؟ لا بمعناها التجاري طبعاً؛ إنما بما يمكن أن تخلقه من توازن داخل النفس العراقية؛ ذات الازمات النفسية والاجتماعية والدينية الكبرى.
أن تعيش في الزمن لا يعني أنْ تذهب الى القرون التي عاشها أسلافك، إنما أن تبحث فيه عن زمن أولادك وأحفادك. ما الذي يستحصله حفيدي حين أفاضل في سيرة اثنين من أجداده؟ كأنْ أقول له بأنَّ جدّك الثالث عشر كان أطولَ من جدّك السابع عشر! وما انتفاعه بأحد أسلافه إن كان بطلاً، أحمق، لصّاً، قاتلاً، زيرَ نساء، ثرياً، معدماً.. الخ لكنَّ هذا ما يسمعه، أو يحبُّ سماعه، ليفاخر به، فهو يتنفس ريحاً لا تعينه على العيش، إنْ لم تكن مسمومةً، تفسد عليه حياته. أنا أهربُ الى السينما لأنني لا أجد في حياتي ما يمكنني من الحياة! أو لينبثق السؤال الكبير: من الذي يمكِّنني من العيش؟ هل لرجل الدين القدرة على صنع الحياة التي أريد؟ وهو يحجب عنها الغناء والمسرح والموسيقى والرسم، أم هو رجل السياسة والزعيم الحزبي الذي لا يذهب بعقله أبعد من اللجنة الاقتصادية في حزبه، أم هو رجل الاعمال، الطفيلي، المستثمر في الصحة والتعليم والرغيف، أم هو البرلماني الذي رفعته روافع الخديعة والكذب والاوهام، أم هو القائد في المليشيا الذي يرى ضالته في الدم والسلاح المنفلت وحروب الطوائف؟
بوضوح كليٍّ لم يخلق بعد الرجل (الوهم) الذي بمقدوره صوغ مادة الحياة لنا، نحن أمّة لا ترى في حياتها ما يستحق الانتباه، لأننا غارقون في الماضي، نقيس حياتنا بما كان لآبائنا وأجدادنا، نحجب درس الرسم والموسيقى والمسرح في مدارس أولادنا، ونمنع حفلات الغناء والموسيقى لا لأنها تتقاطع مع مناسبة دينية حسب، إنما لأنّها تنتشلنا من الماضي، الذي لا نريد مغادرته، ولأنها توقض فينا الامل بحياة افضل، والامل في الحياة قنبلة موقوتة عند هؤلاء (فقهاء الظلام). أحياناً؛ أذهبُ بمشاعري الى خلق مشهد خيالي، لعله مستلٌّ من معاينة ما لفيلم أختزنه، فأوهم نفسي بمشاهدة حشد من الطلاب الذاهبين الى مدارسهم وهم يحملون آلاتهم الموسيقية ولوحات الرسم وعلب الألوان، تزينهم ثياب ملونة، لا يبحثون في المعاجم عن لفظ وحشي، إنما في متصفح الانترنيت عن قطعة لشوبان طلب المعلم حفظها، أوعن لوحة ليرنوار، أو عن قصيدة تغنّى شاعرها بالطبيعة..
ما الذي يجنيه الطالب في الابتدائية من ضرب صدره في الصباح، وهو يستحضرُ مناسبة دينية، غير التشدد والعنت في معتقده، غير الكراهة لزميله المختلف، لندعه يكبر أولاً، وليستقم عوده، وليكون قادراً على الاختيار، ونأخذ بيده أولاً الى عوالم أجمل وأقل خطراً، وأكثر عافيةً، لأننا نريده للحياة، وليحياها كما هي في العقل، قبل كل شيء، ولفهم المعاني النبيلة التي خلق من أجلها.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق منارات

الأكثر قراءة

العمود الثامن: مراد وهبه وعقل الأخوان

العمود الثامن: عباس الأبيض فـي اليوم الأسود

العمود الثامن: فتاة حلب

العمود الثامن: متى يتقاعدون؟

قناطر: البصرة بعين (أوليا جلبي) قبل نصف قرن

العمود الثامن: حكاية سجاد

 علي حسين أقرأ في الاخبار خبر الافراج عن المتهمين باختطاف الشاب سجاد العراقي، وقد اخبرتنا المحكمة مشكورة ان قرارها صدر بسبب "عدم كفاية الادلة"، تخيل جنابك ان دولة بكل اجهزتها تقف عاجزة في...
علي حسين

قناطر: عن الثقافة وتسويقها

طالب عبد العزيز تدهشنا مكاتبُ الشعراء والكتاب والفنانين الكبار، بموجوداتها، هناك طاولة مختلفة، وكرسي ثمين، وأرفف معتنى بها،وصور لفلاسفة،وربما آلات موسيقية وغيرها، ويدفعنا الفضول لفتح الأدراج السرية في المكاتب تلك، مكاتب هؤلاء الذين قرأنا...
طالب عبد العزيز

هل يستطيع العراق في 2026 أن يهزم الفساد وينزع سلاح الميليشيات؟

جورج منصور يقف العراق مع مطلع عام 2026 عند مفترق طرق حاسم في صراعه الطويل مع ثنائية الفساد المستشري والسلاح المنفلت خارج إطار الدولة. فقد كرَّست العقود الماضية بيئة سياسية هشة، غاب فيها حكم...
جورج منصور

الاستقرار السياسي.. بين حكمة دنغ واندفاع ترامب

محمد سعد هادي يروي «سلمان وصيف خان» في كتابه المهم «هواجس الفوضى: الاستراتيجية الكبرى للصين، من ماو تسي تونغ إلى شي جين بينغ»، حوارًا جرى عام 1989 بين دنغ شياو بينغ والرئيس الأميركي الأسبق...
محمد سعد هادي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram