TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > العراق بعد الانتخابات: بلدٌ عالقٌ بين التاريخ والهشاشة وشكوكٍ جديدة

العراق بعد الانتخابات: بلدٌ عالقٌ بين التاريخ والهشاشة وشكوكٍ جديدة

نشر في: 4 ديسمبر, 2025: 12:16 ص

جوزيبي غاليانو

ترجمة : عدوية االهلالي

شهد البرلمان العراقي نقاشًا حادًا، حيث اصطدم أعضاء البرلمان بشكلٍ حاد، مما يُظهر التوترات السياسية وعدم الاستقرار المؤسسي في البلاد.. وكانت قد أجريت الانتخابات البرلمانية العراقية السابعة بعد اثنين وعشرين عامًا من سقوط صدام حسين، في بلدٍ لا يزال يسعى إلى السيادة الكاملة، وينظر إلى الانتخابات على أنها التزامٌ مؤسسيٌّ أكثر منها أداةً قادرةً على التأثير في مصيره...
ولا يتعارض الواقعُ المُنبثقُ من صناديق الاقتراع مع تشخيص السنوات الأخيرة: فلا يزال العراق دولةً هشةً، تتسم بالفساد المُمنهج، وببنيةٍ مؤسسيةٍ هشة، واعتمادٍ شبه هيكليٍّ على القوى الخارجية. إن نسبة المشاركة، التي أُعلن عنها بنحو ستة وخمسين بالمائة من الناخبين المسجلين، لم تكن كافية لإخفاء السأم السياسي وانعدام الثقة لدى شعب فقد منذ زمن طويل إيمانه بقدرة تصويته على تغيير مسار البلاد.
لقد أسفرت نتائج الانتخابات عن فوز كتلة رئيس الوزراء المنتهية ولايته محمد شياع السوداني بستة وأربعين مقعدًا: وهو نجاح يؤكد دوره المحوري، لكنه لا يمنحه الأغلبية اللازمة للحكم دون تنازلات. إنه نصر نسبي، يكاد يكون رمزيًا: قوي بما يكفي لادعاء قيادة العملية السياسية، ولكنه أضعف من أن يفرض سياسة متماسكة. عندها تبدأ المفاوضات المعتادة، إلى جانب بناء التحالفات المتباينة والمساومات المستمرة التي شلت عمل الدولة لسنوات. ولا تزال الميليشيات الشيعية المندمجة في قوات الحشد الشعبي العنصر الأكثر إشكالية. فبصفتها مرتبطة رسميًا بالمؤسسات، تواصل هذه الميليشيات العمل كقوى موازية، بتسلسل قيادي يميل أكثر نحو طهران منه نحو بغداد. وحتى بعد هذه الانتخابات، لا يزال العراق عالقًا في غموض: جيش رسمي يتعايش مع قوات مسلحة مستقلة، وسلطة سياسية تتعايش مع قوى غير رسمية، وحكومة تحاول الحكم لكنها لا تستطيع ذلك بالكامل.
ضمن هذا المشهد، تكمن جغرافية النفوذ الإقليمي الخاصة. فلا تزال إيران تعتبر العراق منطقة عازلة أساسية لأمنها، وتعمل من خلال الأحزاب السياسية والميليشيات والشبكات الاقتصادية.أما الولايات المتحدة، فعلى الرغم من تقليص وجودها العسكري، تحتفظ بنفوذ حاسم من خلال الضغط الدبلوماسي والبرامج الأمنية والأدوات المالية والعقوبات. وفي مايخص تركيا، فهي تعزز نفوذها في المناطق الكردية مستغلة ضعف بغداد السياسي ، حيث أصبحت أنابيب النفط ومشاريع البنية التحتية والقواعد العسكرية أدوات لتوسيع نطاق نفوذها. وحتى بعد هذه الانتخابات، لا يبدو العراق طرفًا مستقلًا، بل ساحة تنافسية، مساحة تتقاطع فيها مصالح أقوى منه.
على الصعيد المحلي، لم يُغيّر التصويت صورة اقتصادٍ يعتمد على عائدات النفط ويكافح لإدارة الموارد العامة بفعالية. ولا تزال انقطاعات الكهرباء، والبنية التحتية القديمة، والبطالة الهائلة بين الشباب، والمحسوبية هي السائدة. وتَعِد كل حكومة بإصلاحات، لكن أياً منها لا يُطبّقها فعلياً. لقد حاول السوداني إطلاق برنامجٍ يتمحور حول فكرة “العراق أولاً”، ساعياً إلى إبراز صورةٍ وطنيةٍ أكثر إشراقاً وتقليل الاعتماد على النفوذ الأجنبي. لكن نتائج الانتخابات، وإن أكدت ذلك، إلا أنها تُبقيه بأدواتٍ محدودةٍ للغاية إذ يتطلب تغيير جهاز الدولة قوةً سياسيةً لا يمتلكها أحدٌ حقاً اليوم.
ويعود تأثير حركة مقتدى الصدر إلى الواجهة أيضاً. فعلى الرغم من دعوته إلى مقاطعة الانتخابات، إلا أن التيار الصدري لا يزال ظاهرةً اجتماعيةً بالدرجة الأولى. ففي المناطق الشيعية، يُمكن تفسير ضعف إقبال الناخبين على أنه رسالةٌ غير مباشرة: احتجاجٌ صامتٌ على النخب الحاكمة. ولا تزال ذكرى أزمة عام ٢٠٢١، حين فاز التيار الصدري بأكبر عدد من المقاعد قبل أن تُهمّشه المناورات الداخلية، الحاضرة في الأذهان. وتؤكد انتخابات عام ٢٠٢٥، دون التصريح بذلك صراحةً، أن شريحةً كبيرةً من المجتمع الشيعي لا تزال تُشكك في شرعية النظام السياسي.
وفي الخلفية، لا يزال السؤال الأمني ​​عالقًا. فالميليشيات، التي كانت تُعتبر في السابق أداةً مؤقتةً لوقف زحف تنظيم الدولة الإسلامية، تُمثل الآن العقبة الرئيسية أمام سيادة الدولة. وأي محاولةٍ لفرض سياسةٍ خارجيةٍ مستقلة، أو السيطرة على الحدود، أو إصلاح الجهاز العسكري، أو إدارة الموارد الاستراتيجية، تُحبطها وجود جهاتٍ مسلحةٍ تعمل وفقًا لأجنداتها الخاصة. هذه هي النقطة المحورية الاستراتيجية الحقيقية للبلاد: فبدون قيادةٍ موحدة، وبدون احتكارٍ للقوة، وبدون رؤيةٍ مشتركة، يظل العراق عُرضةً للضغوط الخارجية والتوترات الداخلية.
لذا، فإن انتخابات عام ٢٠٢٥ لا تُمثّل قطيعة مع الماضي، بل تُسلّط الضوء على وضع البلاد بكثافة مُتجدّدة. فلا يزال العراق دولةً قائمةً رسميًا، لكن سيادته الحقيقية مُجزّأة، مُتفاوض عليها، وكثيرًا ما تُفوّض أو تُصادر. وقد أصبحت الانتخابات طقسًا ضروريًا ولكنه غير كافٍ. ان الموارد الطبيعية لا تزال هائلة، لكنها لا تُنتج نموذجًا للتنمية المستدامة. والرغبة في الاستقرار قائمة، لكنها تُقوّض باستمرار بسبب التنافسات الداخلية والتدخل الأجنبي.
ويبقى السؤال المحوري ليس من فاز؟، بل ما إذا كان بإمكان أي شخص الحكم حقًا. بالنسبة للسوداني، لا يكمن التحدي في مجرد تشكيل حكومة، بل في إثبات قدرة هذه الحكومة على العمل واتخاذ القرارات وتحقيق نتائج حقيقية. وبالنسبة للبلاد، لا يكمن التحدي في مجرد الخروج من فترة ما بعد الغزو؛ بل في التحرر من فكرة كونها ساحة معركة دائمة للآخرين. وبالنسبة للشعب العراقي، لا يكمن الأمل في انتخاب برلمان فحسب، بل في إمكانية الإيمان، ولو لمرة واحدة، بأن تصويتهم يُمكن أن يُغيّر شيئًا ما في حياتهم اليومية.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق منارات

الأكثر قراءة

العمود الثامن: مراد وهبه وعقل الأخوان

العمود الثامن: عباس الأبيض فـي اليوم الأسود

العمود الثامن: فتاة حلب

العمود الثامن: متى يتقاعدون؟

قناطر: البصرة بعين (أوليا جلبي) قبل نصف قرن

العمود الثامن: حكاية سجاد

 علي حسين أقرأ في الاخبار خبر الافراج عن المتهمين باختطاف الشاب سجاد العراقي، وقد اخبرتنا المحكمة مشكورة ان قرارها صدر بسبب "عدم كفاية الادلة"، تخيل جنابك ان دولة بكل اجهزتها تقف عاجزة في...
علي حسين

قناطر: عن الثقافة وتسويقها

طالب عبد العزيز تدهشنا مكاتبُ الشعراء والكتاب والفنانين الكبار، بموجوداتها، هناك طاولة مختلفة، وكرسي ثمين، وأرفف معتنى بها،وصور لفلاسفة،وربما آلات موسيقية وغيرها، ويدفعنا الفضول لفتح الأدراج السرية في المكاتب تلك، مكاتب هؤلاء الذين قرأنا...
طالب عبد العزيز

هل يستطيع العراق في 2026 أن يهزم الفساد وينزع سلاح الميليشيات؟

جورج منصور يقف العراق مع مطلع عام 2026 عند مفترق طرق حاسم في صراعه الطويل مع ثنائية الفساد المستشري والسلاح المنفلت خارج إطار الدولة. فقد كرَّست العقود الماضية بيئة سياسية هشة، غاب فيها حكم...
جورج منصور

الاستقرار السياسي.. بين حكمة دنغ واندفاع ترامب

محمد سعد هادي يروي «سلمان وصيف خان» في كتابه المهم «هواجس الفوضى: الاستراتيجية الكبرى للصين، من ماو تسي تونغ إلى شي جين بينغ»، حوارًا جرى عام 1989 بين دنغ شياو بينغ والرئيس الأميركي الأسبق...
محمد سعد هادي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram