حازم مبيضينرغم التأخر غير المفهوم في استجابة الشعوب العربية لما حدث في العراق، من دحر للدكتاتورية، وحكم العائلة المتسلطة، وتبذير الثروات الوطنية على نزوات الحاكم وبذاءات عائلته وبذخها، فإن الرياح العراقية هبت في الاتجاهات الأربعة، اتجاهات الأرض، فأزهر في تونس الياسمين، وأينع زهر اللوتس في مصر، وتدلت أعناق النخيل دانية في ليبيا،
وارتفعت قبضات الغضب في اليمن، وتعالت هتافات الناس مطالبة تلميذ صدام باللحاق بمعلمه، ولازالت الريح العراقية تجوب أرجاء عالمنا العربي، لتنعش الأمل بمستقبل أفضل للشعوب الطامحة للسير في ركاب الديمقراطية والتعددية واحترام حقوق الإنسان، والمطالبة بتوزيع عادل للثروات بدل تكديسها في مصارف العالم باسم الطغاة والمستبدين.استغرب البعض حين قلنا قبل سنوات، إن ما حدث في بلاد ما بين النهرين سيمتد بآثاره من الماء إلى الماء، وأن أقصى المغرب العربي سيتأثر مثل أقصى المشرق، وكنا على يقين أن سقوط أعتى ما عرفه العرب من دكتاتوريات، وبغض النظر عن الوسيلة المتبعة، سيفتح أعين المظلومين والمحكومين بدكتاتوريات مشابهة، على واقعهم المؤلم، بعد أن تم تخديرهم لسنوات طوال، أو تم قمعهم بالحديد والنار، وسيرى البسطاء من الناس صورة حكامهم على طبيعتها، بعد إزالة رتوش المكياج الإعلامي السلطوي الساعي لتجميلها، وخلق الانطباع بأبويتها أو أخويتها، ليكتشفوا حجم الخراب المهيمن في قصور زعمائهم، وحجم النهب لثرواتهم، وحجم الكذب والتدجيل والادعاء الذي حشيت به رؤوسهم على مدى عقود من الاستئثار بالسلطة، وإلى حد أن الجمهوريات باتت عرضة للتوريث للتغطية على الفساد المستشري في أروقة الحكم والحاكمين.كنا نعرف سبب وقوف بعض الحكام إلى جانب صدام حسين الذي كان مثلهم الأعلى، وكنا نفهم لماذا يقيم العقيد الليبي المهرج تمثالا له؟، ولماذا تتبرع ابنته بالانضمام لجوقة المحامين القومجيين للدفاع عنه؟، ولماذا يناصب عقيد الجماهيرية النظام الجديد في العراق العداء قبل أن تتضح معالمه؟، وكنا نعرف لماذا بات اليمن غير السعيد الملجأ لفلول أيتام صدام، الذين يواصلون التآمر على أمل العودة المستحيلة للتحكم برقاب العراقيين، وثروات العراق، وليواصلوا امتهان الكرامات، والعبث بمقدرات الأمة من خلال افتعال الحروب، التي لم تعد على أبناء الرافدين بغير الخراب، الذي سعى صدام والذين معه لتعميمه على كل الشعوب العربية، من خلال شراء الذمم الرخيصة، لبناء شعبية مزيفة، والعمل على تفريخ أحزاب ذليلة وتابعة لسلطة بغداد، وكأن بلاد ما بين النهرين، بكل ثرواتها وكبريائها، لم تكن كافية لإشباع جنون العظمة الذي تلبس صدام، واعداً به بعض معتنقي الفكر الدكتاتوري من الحكام الذين ابتليت بهم الشعوب العربية. يستشهد البعض بواقع العراق الراهن لإنكار رغبة العرب بتكرار تجربته، لكن هؤلاء يتجاهلون أن التسونامي يتبع الزلزال، ولعل بعضهم يحاول دفن رأسه في رمال الوهم، كي لا يعترف أن موجات التسونامي العراقي التي أعقبت زلزال إطاحة صدام حسين والبعث، قد تدفقت على كل عواصم الطغيان والبطش العربية، وأنها سترتد ثانية إلى العراق، لتصحيح المسيرة التي يحاول المتخلفون حرفها عن الدرب القويم، الذي ضحى الشعب من أجله، لتنطلق فيه صوب حياة ديمقراطية أصيلة وراسخة، وكي لا يعترفوا أن الحرية التي يتمتع بها العراقيون – وإن كانت نسبية – تشكل أمنية عند العديد من الشعوب العربية، التي لا يتنفس الفرد فيها إلا بحساب، وبما لا يستثير غضب الحاكم بأمره، ويتغنى هؤلاء بقومجية صدام، التي لم تكن أكثر من ستار يخفي وحشيته في التعامل مع أبناء شعبه، وهو يوزع خيرات وثروة هذا الشعب على المطبلين والمزمرين والمسبحين باسمه. كانت البداية من العراق حين سقط صنم الدكتاتور، وستسقط بقية الأصنام تباعاً على وقع زلزال العراق العظيم والتسونامي التابع له.
البداية أتت من العراق

نشر في: 27 مارس, 2011: 09:52 م







