TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > باليت المدى: ضوء لا ينطفيء

باليت المدى: ضوء لا ينطفيء

نشر في: 8 ديسمبر, 2025: 12:16 ص

 ستار كاووش

مرت ثلاثة أيام وأنا أمرّ كل صباح بجانب متحف الفنانة الألمانية كاتي كولفيتز، مع ذلك كنتُ أُؤجِّل زيارتي لهذا المتحف لأني أردتُ أن أُهيء نفسي جيداً لهذا النوع من الأعمال التي تخفي وراءها الكثير من العمق والحكمة والقوة والعاطفة، أعمال تقول الكثير وتُفصح عن شخصية هذه الفنانة العظيمة التي أسَّسَتْ لها المدينة متحفاً خاصاً يضم الكثير من أعمالها. وبما أن المتحف يطل على ساحة السوق الجديد بمدينة كولن، فلم أحتج للوصول الى هناك سوى ثلاث دقائق مشياً من البيت الذي استأجرته لقضاء إجازتي في هذه المدينة التي تقع غرب ألمانيا. وهكذا ما أن خرجت من البيت حتى بانَ نصف وجه الفنانة الذي طُبع على الأعلام التي ترفرف معلنة عن بناية المتحف. خطوات قليلة حتى صرت بجانب مكتب قطع التذاكر، حيث نظرتْ المرأة الجميلة اليَّ وأنا أتهيأ لفتح محفظة النقود وقالت (اليوم الدخول مجاني بمناسبة التعديلات الجديدة التي أضيفت للمتحف) ثم مدت لي بطاقة الدخول مع ابتسامة ترحيب. يالها من بداية رائعة ليوم جديد.
ما أن دخلتُ المتحف، حتى نسيتُ العالم الخارجي تماماً، حيث تحول كل شيء الى اللونين الأبيض والأسود وما بينهما من تدرجات وتناغمات مذهلة. عالم فسيح من الرماديات يتمدد عبر قاعات العرض المتعددة، هنا يتوقف الزمن أمام أعمال تُعتبر فى طليعة ما تفتخر به الثقافة والفن الألماني. ورغم أن كل أعمال هذه الفنانة قد نفذتها بالأبيض والأسود، إضافة الى التراجيديا التي تغلف هذه الأعمال عموماً، لكن هناك ثمة ضوء لا ينطفيء، أنه ضوء الفن الذي يُعلن البهجة حتى وأن كانت الأعمال فيها الكثير من التراجيديا والألم والألوان المحدودة. فالفرح هنا هو فرح المعالجات والقوة الفنية والإمكانات المذهلة التي تمتلكها هذه الفنانة التي تشبه معجزة أثبتت نبوءتها عبر مواد الرسم. لا مجال لإضاعة الفرصة هنا وعليك الإنتباه لكل تفصيل من الأعمال الفنية، حيث تسرقك العيون الحادة للشخصيات وملامحها التي تبتكر القوة حتى من خلال العجز. فحتى الشخصيات الواهنة نراها قوية وحكيمة ومؤثرة. والأمر كله يتعلق بكيفية الرسم وبجدوى الإمساك بهذه الموضوعات التي يبتعد عنها الكثير من الفنانين. هنا لا يمكن لأحد من المتلقين أو حتى النقاد والمؤرخين أن يُشكك بعبقرية وتأثير وقوة أعمال هذه الفنانة التي ما أن تقرب أصابعها من مواد الرسم حتى تنبثق الأشكال حرة وجميلة وحيّة.
تجولتُ بين أرجاء المتحف وأنا أرى وأتحسس ظلال الرسامة العظيمة التي رحلت بعيداً وظلت أعمالها تجذب الكثيرين من كل مكان، وهكذا اختبر الزمن أعمالها ومنحها تذكرة الدخول الى قلوب الناس الذي يعشقون الفن الحقيقي، ولا يتوانون من الوقوف والانصهار مع عالمها الواسع والغريب والأسطوريّ، عالم ليس فيه سوى حركات الأيدي واستدارات الوجوه وحكايات الناس البسطاء الذي عاشوا على هذه الأرض.
تأثرت كاتي بالنزعة الطبيعية في الأدب، كذلك اهتمت بالحركات الاجتماعية والنسائية. وهذا كله ترك اثراً كبيراً على أعمالها الفنية، حيث بدأت منذ سنة ١٨٨٩ بتقنيات الحفر والطباعة. وبتأثير من زوجها الطبيب الذي كان يعالج الناس ويساعدهم في أحياء الطبقات العاملة والفقيرة في برلين، وجدت كاتي ضالتها الفنية واستلهمت موضوعاتها من أولئك الفقراء والمعوزين ووثقت بأعمالها حياتهم ومعاناتهم وقضاياهم وأمراضهم.
بعد مقتل ابنها بيتر في الحرب العالمية الأولي وهو في سن السابعة عشرة، اتجهت كاتي كولفيز مباشرة الى النحت، حيث أنجزت عملها العظيم الذي كان عبارة عن نصب تذكاري لقبر بيتر في مقبرة فلادسلو. وتظهر في هذا العمل هي وزوجها يجثوان بحزن لا يمكن أيقافة أو التحكم به ولا تحمّله، حيث يشبك زوجها ذراعيه على جسده وهو ينظر إلى المقبرة التي تضم آلاف الجنود، فيما تخفض هي رأسها كمحاولة لتحمل الفجيعة. وبعد ذلك إزداد اهتمامها بما تركته الحرب من معاناة، ورسمت سلسلة من الملصقات التي صارت شهيرة جداً فيما بعد.
وقد قامت عائلتها في سنوات ماضية بإهداء مجموعة كبيرة من أعمالها الى هذا المتحف الذي يحكي عن مسيرة كولفيتز التي تُعد أكثر الفنانين الألمان ابداعاً وجمالاً وتأثيراً وحيوية، وخاصة في أعمال الحفر على الخشب والطباعة الحجريّة، حيث لا يمكن لأي محب لأعمال الحفر أن لا تجذبه أعمال هذه الفنانة التي تفاجئك خطوطها كأنها شلالات أو سياط، فيما تنظر نحوك الوجوه التي رسمتها وكأنها تريد الاقتراب منك والتعرف عليك. التعبير هو سيد الموقف هنا حيث تتحول الأحبار الى أداة مكتملة ومؤثرة، تسحبك نحوها ولا تُريد لك الفكاك من سطوتها وسحرها.
لقد منع النازيون عرض أعمالها في بداية ثلاثينيات القرن العشرين واعتبروها اعمالها منحطة، والآن لها ثلاث متاحف، أحدها في مدينة برلين والآخر في مدينة موريتسبورخ، ثم هذا المتحف الذي أقف وسطه بمدينة كولن، والذي يضم أكبر مجموعة فنية لها. هذا هو حال الفن العظيم والملهم والمؤثر، وهذا هو الجمال الحقيقي الذي ربما يتراكم عليه بعض غبار النسيان لكن سيأتي حتماً من يُزيل الغبار ويفرك الصدأ.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

جميع التعليقات 1

  1. أبو انكيدو

    منذ 1 شهر

    تحياتي الطيبة! لقد عانت الفنانة من مضايقة السلطة الهتلرية كثيرا فأختارت لها مدينة صغيرة بضواحي درسدن لتتفرغ لألامها وفنها ضد الحروب والقتل المجاني!!!

ملحق منارات

الأكثر قراءة

العمود الثامن: مراد وهبه وعقل الأخوان

العمود الثامن: عباس الأبيض فـي اليوم الأسود

العمود الثامن: فتاة حلب

العمود الثامن: متى يتقاعدون؟

قناطر: البصرة بعين (أوليا جلبي) قبل نصف قرن

العمود الثامن: حكاية سجاد

 علي حسين أقرأ في الاخبار خبر الافراج عن المتهمين باختطاف الشاب سجاد العراقي، وقد اخبرتنا المحكمة مشكورة ان قرارها صدر بسبب "عدم كفاية الادلة"، تخيل جنابك ان دولة بكل اجهزتها تقف عاجزة في...
علي حسين

قناطر: عن الثقافة وتسويقها

طالب عبد العزيز تدهشنا مكاتبُ الشعراء والكتاب والفنانين الكبار، بموجوداتها، هناك طاولة مختلفة، وكرسي ثمين، وأرفف معتنى بها،وصور لفلاسفة،وربما آلات موسيقية وغيرها، ويدفعنا الفضول لفتح الأدراج السرية في المكاتب تلك، مكاتب هؤلاء الذين قرأنا...
طالب عبد العزيز

هل يستطيع العراق في 2026 أن يهزم الفساد وينزع سلاح الميليشيات؟

جورج منصور يقف العراق مع مطلع عام 2026 عند مفترق طرق حاسم في صراعه الطويل مع ثنائية الفساد المستشري والسلاح المنفلت خارج إطار الدولة. فقد كرَّست العقود الماضية بيئة سياسية هشة، غاب فيها حكم...
جورج منصور

الاستقرار السياسي.. بين حكمة دنغ واندفاع ترامب

محمد سعد هادي يروي «سلمان وصيف خان» في كتابه المهم «هواجس الفوضى: الاستراتيجية الكبرى للصين، من ماو تسي تونغ إلى شي جين بينغ»، حوارًا جرى عام 1989 بين دنغ شياو بينغ والرئيس الأميركي الأسبق...
محمد سعد هادي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram