هاشم العقابيآخر ما كان يمر ببالي أن أشاهد الشرطة تتظاهر والشعب يتفرج، خاصة بمصر. فبعد انتصار 25 يناير واجهت الدولة مشكلة محيرة وهي أن قطيعة كبيرة حدثت بين المصريين وشرطتهم بسبب الطريقة القاسية التي تعاملت بها الشرطة مع المتظاهرين. صار من الصعب عليهم أن ينزلوا للشوارع خوفا من الناس أو "حياء" منهم.
مشكلة كره الشعب للشرطة، لا يمكن حصرها بما حدث بمصر. فالعرب، عموما، توارثوا هذا الكره بسبب أو بدون سبب. وما ردة فعل المصريين تجاه الشرطة هذه الأيام إلا تجسيدا للمثل العراقي: "مكروهة وجابت بنت". لا ينكر أن بعضا من الشرطة لا يستحق هذه الكراهية الموروثة. كذلك لا يعني الحديث عنها تأييدا لها. لكنه أمر واقع، وقراءة الواقع لا تعني تكريسه أو الإيمان به.ففي تراثنا العربي نجد ميلا واضحا لكره الشرطة، وصل حد نقل أحاديث عن النبي تقول: "سيكون في آخر الزمان شرطة يغدون في غضب الله، و يروحون في سخط الله". و " ليأتين عليكم أمراء يقربون شرار الناس ويؤخرون الصلاة عن مواقيتها فمن أدرك ذلك منكم فلا يكونن عريفا ولا شرطيا ولا جابيا ولا خازنا".وفي العراق لا احد ينكر إننا، أيضاً، ورثنا ظاهرة بغض الشرطي. وأقسى ما قرأته حول هذه الظاهرة، ما جاء في قصيدة مظفر النواب "حچام البريس":-منهو الجاي .. ويه الماي .. ويه الشرجي .. عد حچام؟يمكن عدو يا حچاميمكن شرطة وتلعب النفس ..والشرطة لا هي چلاب .. لا هي زلام !ولاننا، نحن العراقيين، ينطبق علينا ما قلناه عن أنفسنا "حب واحچي واكره واحچي"، إنسانا كرهنا للشرطة مواقف لبعضهم تستحق أعلى درجات التقدير. فالنجم الكروي الشهيد بشار رشيد كان مفوض شرطة. لقد كان مثالا للعفة والنبل والشجاعة وجابه البعث بكل صلابة إلى أن اعدم في العام 1975. كذلك لا يمكن إغفال ذكر الشاعر الشعبي الذي قال يوما:آنه عزرايين لو رادك لكاك ومنهو ضم روحه اعله عزرايينهانه صاحب الضويري الذي يعد من بين أفضل شعرائنا الشعبيين. وقد كان ضابطا في الشرطة أيضاً.وشخصيا، كان لي صديق شرطي دمث ومرح يحب الشعر والشعراء ومحبوب بين الناس بمدينة الثورة. في ليلة اصطحبته معي لنادي الإعلام فصادف آن حالفه الحظ وربح الجائزة الأولى في لعبة "الدنبلة". وبغمرة فرح صاحبي الشرطي حسن عاصي بالفوز، فتح الطاولة وانزل زجاجة ويسكي من النوع الفاخر وانتشى أيما انتشاء. وما ان وصل حسن الى بيته في قطاع 15، حتى وجد في سكرته فرصة ليتظاهر ضد ابيه. لا ادري لماذا صار يتحدث باللهجة المصرية رافعا صوته في منتصف الليل: "يا عاصي أنا بدي اتجوز". خرج الناس على صوته وبينهم أبوه وبيده "توثيته" وبدأ "المطارد". حسن يركض وأبوه يطارده إلى أن تغلب السكر على صاحبي فارداه بمستنقع للماء يفصل بين قطاعي 15 و 14. استسلم حسن لكنه ظل مصرا على ترديد شعاره. أوصينا به والده خيرا فتعهد انه لن يؤذيه. وبعد أسبوع حضرنا زواج حسن الذي يبدو أن تظاهرته الفردية قد حققت هدفها. وحين زرت بغداد بعد السقوط ذهبت خصيصا لأراه فقيل لي انه قد مات قبل أعوام اثر مرض عضال. ما ذكرني بصاحبي المرحوم هو إن احد الشرطة المتظاهرين بالقاهرة كان مثل حسننا الشرطي يصرخ: "معاشي ما يتعداش 600 جنيه وانا عاوز اتجوز يا ناس". فيا سبحان الله.
سلاماً يا عراق: الشرطة بين.."حب واحچي واكره واحچي"

نشر في: 28 مارس, 2011: 07:17 م







