TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > لماذا تهاجم الولايات المتحدة أوروبا بسبب حرية التعبير؟

لماذا تهاجم الولايات المتحدة أوروبا بسبب حرية التعبير؟

نشر في: 16 ديسمبر, 2025: 12:01 ص

فابيان جانيك شيربونيل *

ترجمة : عدوية الهلالي

«أعتقد أنهم ضعفاء. الأوروبيون يريدون أن يكونوا ملتزمين بالصواب السياسي لدرجة أنهم لا يعرفون ماذا يفعلون." لفهم الموقف الأمريكي تجاه القارة العجوز، يصعب إيجاد تفسير أوضح من تصريحات دونالد ترامب، التي نُشرت يوم الثلاثاء 9 كانون الاول. فمنذ عودة الملياردير الشعبوي إلى البيت الأبيض، امتدت هجمات الجمهوريين عبر المحيط الأطلسي بشكل منتظم. وجاءت إحدى أحدث هذه الهجمات عقب الغرامة التي فرضتها المفوضية الأوروبية على منصة X بقيمة 120 مليون يورو في 4 كانون الاول. ووفقًا لنائب الرئيس الأمريكي جيه. دي. فانس، فقد عوقبت الشبكة الاجتماعية "لعدم ممارستها الرقابة».
وقد استُخدم هذا المصطلح مرة أخرى بعد ساعات قليلة من إصدار "استراتيجية الأمن القومي" الأمريكية الجديدة ، فقد استغلت إدارة ترامب هذا الأمر للتنديد بـ"رقابة حرية التعبير" في أوروبا. مع ذلك، يُظهر أحدث تقرير صادر عن منظمة المادة 19 البريطانية غير الحكومية حول حرية التعبير أن معظم الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي تتصدر تصنيفاته.علاوة على ذلك، فإن الدول الخمس عشرة الأولى في مؤشر حرية الصحافة العالمي لعام 2025 الصادر عن منظمة مراسلون بلا حدود هي دول أوروبية، بينما تحتل الولايات المتحدة المرتبة 57.
قد يبدو الخلاف، ظاهرياً، مجرد اختلاف بسيط حول تعريف حرية التعبير. فمن الجانب الأمريكي، "سادت في العقود الأخيرة نظرة متشددة، مفادها أنه يُمكن قول أي شيء باستثناءات قليلة جدًا"، كما أوضحت لوديفين جيلي، مديرة مرصد أمريكا الشمالية في مؤسسة جان جوريس، لموقع فرانس إنفو. في المقابل، تُنظّم القوانين الوطنية والأوروبية حرية التعبير، ولا سيما حظر خطاب الكراهية وإنكار المحرقة. وتنص الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، التي وقّعت عليها جميع الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، على أن ممارسة هذه الحرية تستلزم "واجبات ومسؤوليات».
وقد نشطت بروكسل ودول الاتحاد الأوروبي الـ27 بشكل خاص في سنّ تشريعات بشأن هذه القضية في السنوات الأخيرة، ولا سيما مع تطبيق قانون الخدمات الرقمية، الذي يُلزم المنصات الإلكترونية بمراقبة المحتوى المسيء أو الإشكالي أو الكاذب، والإبلاغ عنه، وإزالته. وتشير لوديفين جيلي إلى الرسائل أو مقاطع الفيديو التي تُشكّل معلومات مضللة إذ "يعتقد المحافظون الأمريكيون أن أي تعديل على هذا المحتوى يُعدّ رقابة، بينما الموقف الأوروبي هو عكس ذلك تمامًا". ويمتد هذا الانقسام إلى الولايات المتحدة نفسها حيث يميل اليسار السياسي إلى تبني منظور أوروبي، بينما يميل اليمين إلى تبني منظور مشابه لما يدافع عنه دونالد ترامب"، كما يشير جيلي.
مع ذلك، يرى العديد من الخبراء أن الأمر لا يقتصر على مجرد اختلاف في الرأي. فيحلل تيبو بروتين، المدير العام لمنظمة مراسلون بلا حدود، قائلاً: "كثيرًا ما تستغل الإدارة الأمريكية أحداثًا لا علاقة لها بحرية التعبير لخدمة أجندتها".مثال على ذلك إدانة مارين لوبان والحكم عليها بالسجن أربع سنوات، بالإضافة إلى منعها من تولي أي منصب عام لمدة خمس سنوات، بتهمة اختلاس أموال عامة.. وقد ندد الملياردير إيلون ماسك، الذي كان آنذاك مستشارًا مقربًا لدونالد ترامب، بالأمر ووصفه بأنه "إساءة استخدام للنظام القضائي"، بينما صرحت المتحدثة باسم وزارة الخارجية، تامي بروس، قائلةً: "علينا بذل المزيد من الجهود في الغرب للدفاع عن القيم الديمقراطية". وأضافت: "نحن ندعم حق الجميع في التعبير عن آرائهم في المجال العام، سواء اتفقوا معها أم لا.
أوروبا، «العدو اللدود» لواشنطن
تشير «استراتيجية الأمن القومي» الجديدة صراحةً إلى «قمع المعارضة السياسية» في أوروبا. ويؤكد مدير منظمة مراسلون بلا حدود أن هذا «خرافة أمريكية» في بلد «عانى من المكارثية»، وهي حملة مطاردة سياسية شنتها الحكومة في خمسينيات القرن الماضي ضد كل من يُشتبه في تعاطفه مع الأفكار الشيوعية. وتشير لوديفين جيلي إلى أن البيت الأبيض لا يتردد في مقاضاة وسائل الإعلام. كما يؤكد جاكوب روس، الباحث في المركز الأوروبي التابع للمجلس الألماني للعلاقات الخارجية، أن الهدف «أيديولوجي» في المقام الأول. وتوضح لوديفين جيلي أن هجمات الإدارة الأمريكية «يقودها بشكل رئيسي الجناح القومي المحافظ في الترامبية، برئاسة جيه. دي. فانس». انطلاقًا من «موقف أخلاقي» ورغبة في الدفاع عن رؤية تقليدية بيضاء كاثوليكية للمجتمعات الأمريكية والأوروبية، يتهم ممثلوها «السلطات الأوروبية باستمرار بتقييد حرية العبادة وحرية الفكر في المسائل الدينية، وغالبًا ما يستندون في ذلك إلى أكاذيب وسوء نية»، كما تضيف.
تواجه أوروبا خطر "محو الحضارة"، وفقًا لاستراتيجية الأمن القومي، التي تعكس أولويات التيار الذي يقوده جيه. دي. فانس. ويوضح جاكوب روس أن فانس "يخوض معركة ضد ما يُفترض أنه ليبرالية عالمية، تتجلى في التكامل الأوروبي، الذي يُنظر إليه على أنه تهديد للسيادة الوطنية".لذا، فمن المنطقي أن تعتبر إدارة ترامب أوروبا "عدوها اللدود"، على حد تعبير الصحفي نيك باتون والش من شبكة سي إن إن.ويحلل جاكوب روس قائلاً: "تضفي التصريحات الأمريكية شرعية على أحزاب اليمين المتطرف، التي تدين بدورها الاعتداءات على حرية التعبير".وتقول لوديفين جيلي: "هناك رغبةٌ واضحةٌ لدى الحركات القومية في توحيد الجهود لتعزيز التغيير المجتمعي".وفي الوقت نفسه، أبدت بعض العواصم الأوروبية ردود فعلٍ قوية على الهجمات الأمريكية الأخيرة،إذ صرح وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول في مؤتمر صحفي يوم الجمعة بأن برلين "لا تحتاج إلى أي نصيحة من أي دولة أو حزب". وقبل ذلك بيومين، رد وزير الخارجية البولندي رادوسلاف سيكورسكي على إيلون ماسك عبر منصة إكس، قائلاً له "اذهب إلى المريخ" حيث "لا توجد رقابة على التحية النازية».
ويرى تيبو بروتين أن "معركة" تلوح في الأفق.ويؤكد جاكوب روس أن "الأوروبيين يملكون بالتأكيد الوسائل للدفاع عن نموذجهم"، معرباً عن أسفه "لغياب الإرادة السياسية والاجتماعية لقطع العلاقات مع الحليف الأمريكي».
*محلل سياسي فرنسي

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق منارات

الأكثر قراءة

العمود الثامن: مراد وهبه وعقل الأخوان

العمود الثامن: عباس الأبيض فـي اليوم الأسود

العمود الثامن: فتاة حلب

العمود الثامن: متى يتقاعدون؟

قناطر: البصرة بعين (أوليا جلبي) قبل نصف قرن

العمود الثامن: حكاية سجاد

 علي حسين أقرأ في الاخبار خبر الافراج عن المتهمين باختطاف الشاب سجاد العراقي، وقد اخبرتنا المحكمة مشكورة ان قرارها صدر بسبب "عدم كفاية الادلة"، تخيل جنابك ان دولة بكل اجهزتها تقف عاجزة في...
علي حسين

قناطر: عن الثقافة وتسويقها

طالب عبد العزيز تدهشنا مكاتبُ الشعراء والكتاب والفنانين الكبار، بموجوداتها، هناك طاولة مختلفة، وكرسي ثمين، وأرفف معتنى بها،وصور لفلاسفة،وربما آلات موسيقية وغيرها، ويدفعنا الفضول لفتح الأدراج السرية في المكاتب تلك، مكاتب هؤلاء الذين قرأنا...
طالب عبد العزيز

هل يستطيع العراق في 2026 أن يهزم الفساد وينزع سلاح الميليشيات؟

جورج منصور يقف العراق مع مطلع عام 2026 عند مفترق طرق حاسم في صراعه الطويل مع ثنائية الفساد المستشري والسلاح المنفلت خارج إطار الدولة. فقد كرَّست العقود الماضية بيئة سياسية هشة، غاب فيها حكم...
جورج منصور

الاستقرار السياسي.. بين حكمة دنغ واندفاع ترامب

محمد سعد هادي يروي «سلمان وصيف خان» في كتابه المهم «هواجس الفوضى: الاستراتيجية الكبرى للصين، من ماو تسي تونغ إلى شي جين بينغ»، حوارًا جرى عام 1989 بين دنغ شياو بينغ والرئيس الأميركي الأسبق...
محمد سعد هادي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram