نجم والي4-4المهاجرون أو الزوار الوقتيون يغامرون بالقدوم إلى كردستان، رغم خطورة الطريق ذي الجانب الوحيد والذي يزدحم بالشاحنات وسواق مغامرين يقودون سياراتهم بجنون، لكن العزاء الوحيد، هو أن الطريق هذه كانت وحتى أواخر عام 2008 أكثر مناطق العراق سخونة بحربها الطائفية، بعقوبة والمناطق المحيطة بها حتى مداخل مدينة كركوك كانت مسرحاً للقاعدة والمنظمات الإرهابية الأخرى، وكان القتل على الهوية ما يشبه الروتين.
هنا صال وجال ذات يوم سفاح اسمه ابو مصعب الزرقاوي. اليوم تحيطها العديد من نقاط التفتيش، بعضها تحرسها قوات المارينز، عند الدخول إلى كركوك يفتش المارينز، أمر مفهوم في الحقيقة، أكثر من نصف إنتاج النفط العراقي يُستخرج من حقول كركوك، صراع العرب والكرد والتركمان على عائدية المدينة، يشبه عراك ثلاثة صلعان من أجل مشط.لكن السفر من الجنوب إلى الشمال ومهما حمل من مخاطر ومغامرات، يمنح صورة واضحة للفوضى، للخراب، للمصير المجهول الذي تسير إليه البلاد، فبعد خروجه من بغداد مثلاً بإتجاه الشمال على مسافة يرى المسافر أحياء على جانبي الطريق، البعض رُفعت على بيوتها بيارغ العزاء، خاصة وأنه شهر محرم، والبعض الآخر فارغة، أحياء كاملة بالبيارغ، يعني أنها شيعية، والأخرى فارغة، يعني أنها سنية، تقسيم طائفي على السطوح، لكن الأحياء هذه، وتلك هي المفارقة، وإن إختلفت في الطائفة أو العِرْق، إلا أن هناك ما يوحدها مع بقية الأحياء في العراق، مزابل تراكمت على جانبي الطريق، جبال قمامة عالية فاضت بها الأحياء السكنية فلفظتها إلى الأطراف، مزابل لا ينافسها في فوضاها غير شوارع وجسور محفورة الأسفلت وبوابات على شكل مداخل للمدن عند الطريق السريع لم يكتمل بناؤها، ومدارس مخلوعة الأبواب، مستشفيات دخولها كارثة ومدعاة للمرض، وساحات للعب على شكل مستنقعات، كأن البلاد كلها تحولت إلى خرابة، سكان الأحياء الفقيرة الذين أنتخبوا مجالس بلدية من مناطقهم، أملاً أن يُحسن هؤلاء لهم الخدمات، لم يعرفواأن هؤلاء سيجعلونهم متساوين بالفعل، لكن بطريقة معكوسة: تهديم الأحياء الراقية وحفر شوراعها، فلسفة جديدة في العراق، ليس البناء من الأسفل إلى الأعلى، بل الهدم من الأعلى إلى الأسفل، وتحويل البلاد كلها إلى مزبلة فريدة الطراز. لا سيارة قمامة تمر أو موظف بلدية، مجالس بلديات مشغولة بالسرقة والنهب، لا وقت عندهم للبناء، مثل النواب والوزراء، النكتة التي يتداولها العراقيون تطالب بإستحداث "وزارة لشؤون المرتشين والمزورين".المسافر يرى كل ذلك أمامه، فيقف مكتوف الأيدي، سلاحه الوحيد القلم الذي يكتب به، ولا يعرف ماذا عليه أن يفعل أو يقول؟فمن جهة يرى الفقر والفاقة، البطالة وتردي الخدمات، كل ما يستدعي للثورة، يرى منظمات مجتمع مدني، مثقفين ومثقفات، صحفيين جريئين وصحفيات جريئات، يقاتلون الصخر بجسد من زجاج، وعلى الجهة الأخرى، يرى فيلل سياسيين وسماسرة ترتفع عالياً، سيارات فارهة ببدي غارد ومثقفي سلطة موظفين في صحافة حكومية ووزارات،سبق لهم وأن خدموا سلطة صدام، شعراء وصحفيين وكتّاب، مداحي أنظمة لكل الأزمان، في الماضي هللو للبعث وصدام،اليوم يهددون زملاء لهم بإسم الإسلام، وعندما تنتهي رحلته ويتنفس حزناً، يحزم المسافر حقائبه ويتجه للمطار، فيكتشف أن الرحلة لم تنته كما ظــــــن، العودة على طريق المطار للمغادرة أكثر فوضى من الدخول، خمس مرات سيخضع للتفتيش، ستمر عليه وحقائبه أجهزة سونار وكلاب شيفر، عبثاً يقول أن طائرته ستطير بعد قليل، لأن الذين يفتشون يعملون لشركات مختلفة، كل شركة لها مقاولها "السياسي" الخاص. إبتزاز وفساد باسم لا دولة "القانون"، بإسم مكافحة الإرهاب في المرة هذه وأمن المسافرين. وعندما يجلس المسافر في الطائرة، يشعر بالعرق يتصبب من جبينه، بأنه تعبان، منذ خمس ساعات وهو مستيقظ لكي يصل للمطار في الوقت المضبوط، وعندما يشعر بالطائرة تحلق عالياً، يغمض عينيه ويفكر بالنوم قليلاً، ويحلـــــــــم بزيارة أخرى لبلاد لا مسدس فيها، حتى إذا كان على شكل صورة مسدس في الرأس وحسب.
منطقة محررة: السفر ومسدس فـي الرأس

نشر في: 29 مارس, 2011: 05:11 م







