TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > قناطر: بعين العقل لا بأصبع الزناد

قناطر: بعين العقل لا بأصبع الزناد

نشر في: 21 ديسمبر, 2025: 12:03 ص

طالب عبد العزيز

منذ عقدين ونصف والعراق لا يمتلك مقومات الدولة بمعناها الحقيقي، هو رموز دينية؛ بعضها مسلح، وتشكيلات حزبية بلا ايدولوجيات، ومقاولات سياسية، وحُزم قبلية، وجماعات عسكرية تنتصر للظالم، وشركات استحواذ تتسلط ... الخ وهذه بمجملها لا علاقة لها بالدولة، لأنها تستبيح وتعطّل مشروع الدولة متى تشاء، فهي قادرة على اقتحام أيِّ مؤسسة، ويمكنها أن تضع الحد لأيّ سلطة أمنية في عموم البلاد، وقد يستمر الحال لأكثر من عقد ثالث ما لم تتدخل قوى أجنبية لاسترداد الدولة من هؤلاء. وهو أمر مؤسف لأننا، سبق أنْ استعنا بقوات التحالف لاسقاط(دولة) صدام حسين، ويبدو أننا بحاجة للاستعانة بقوات(تحالف) أخرى لأنهاء مهزلة اللادولة القائمة اليوم، مالم تعي الجماعات هذه أنَّ الدولة شيءٌ وما يتصارعون عليه شيءٌ آخر.
تشبث القوى السياسية المسلحة بالسلاح يعني فشلها السياسي، وهي من حيث تعلم تضعف القوى الأمنية الرسمية، ووجود السلاح يعني وجود خصم مسلح آخر، غير قادرة على الحوار معه، وهو سلاح طائفي بكل وضوح، أيَّ هي تستعدي الاخر المشارك في العملية السياسية وهكذا، سيكون حال الاقتصاد، الذي تستولي عليه جماعات أخر؛ لا بحسن الإدارة إنما بالقوة، وهذه العملية لن تبني اقتصاداً، فاختيار العناصر الحزبية غير المؤهلة للبعثات الدبلوماسية يجعل البلاد في موضع السخرية، ويفقدها علاقاتها مع العالم، وتراجع خدمات الطيران وتلكؤها يحرم الناقل الوطني من أجواء أوربا والعالم، وعدم ربط العراق بشبكات سكك الحديد يبقيه محاصراً بجغرافيته وهكذا.
واضح أنَّ الحكومة الجديدة في سوريا تنبهت باكراً لأمر بلادها، وقرأت السياسة بعين العقل لا بأصبع الزناد، القضية التي لم يدركها العقل العراقي المسلح بعدْ. لن تكون إيران على سعتها عمقاً عراقياً الى الأخير، فهي بلاد قائمة بذاتها لا بذات العراقيين، ووجود عراق قوي ومستقلٍّ لا يضر بعلاقتنا معها، لكنَّ عراقاً ضعيفاً وهزيلاً يصبُّ في مصلحتها أولاً ويضر بمصلحتنا ثانياً. من يريد أن يبني دولة قوية لن يحتاج الى بندقية مجاورة، هو بحاجة الى استقلال وسيادة لا أكثر. من مقومات الدولة احترام الدستور، ودستورنا يستباح من الجماعات السياسية التي كتبته، ومن الجماعات المسلحة التي رعته. من يريد أن يبني دولة عليه أن لا يستولي على الساحات العامة ويرفع صوراً ترهب الآخر، ليست الساحة ملكاً عضوضاً له، هي فضاء للبناء وعلامة للطمأنينة، ووجود الزعيم ببذلته المليشياوية مادة تهديد ورسالة استحواذ وترهيب، تقول لي، أنا الآخر المختلف: أنا أسرقك وأقتلك!
تبنى الدولة باستتباب الامن، الذي منه جذب الاستثمار، ودخول الشركات، وتبنى بالصحة والتعليم والبحث العلمي وبمشاركة المتفوقين من أبنائه في المؤتمرات والجامعات والمحافل الدولية، ورغبة المبتعثين بالعودة اليه لا بالخلاص منه، وتبنى بتقبل مطارات العالم لطائراته، ووجودها كوجهة سياحية. ويبنى حين تمنح المرأة حريتها في العمل والكرامة الإنسانية، وتبنى بسن القوانين الضامنة للصحة والتعليم والسكن وتأمين العيش اللائق، والخلاص من العادات والتقاليد العشائرية السيئة، التي لن يجد المواطن لها ضرورة بوجود القانون.
خطابات بعض قياديي الاطار الأخيرة والخاصة بالتخلي عن السلاح خارج المؤسسات الأمنية تبشر بالخير، ورسالة عقل، وهي على الطريق الصحيح|، وإن جاءت متأخرة؛ وبفعل ضغط خارجي. ومن موجبات بناء الدولة أن تكون الثقافة عنصراً فاعلاً، فالبلاد تعرف بعلمائها وشعرائها وفنانيها ومتاحفها ومسارحها ودور النشر والسينما والجميلات من نسائها أفضل من أن تعرف بعدد القتلة واللصوص فيها.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

جميع التعليقات 1

  1. عادل الخفاجي

    منذ 3 أسابيع

    أستاذ طالب لولا ميليشيات ألأحزاب الشيعية المؤيدة الى أيران و المرتبطة بالحرس الثوري ألأيراني و التي تعيث في العراق فسادا لكان العراق اليوم من خيرة دول المنطقة على العموم تبا للميليشيات المنفلتة التي تأبى نزع سلاحها أذن كيف يكون المجرم أ

ملحق منارات

الأكثر قراءة

العمود الثامن: مراد وهبه وعقل الأخوان

العمود الثامن: عباس الأبيض فـي اليوم الأسود

العمود الثامن: فتاة حلب

العمود الثامن: متى يتقاعدون؟

قناطر: البصرة بعين (أوليا جلبي) قبل نصف قرن

العمود الثامن: حكاية سجاد

 علي حسين أقرأ في الاخبار خبر الافراج عن المتهمين باختطاف الشاب سجاد العراقي، وقد اخبرتنا المحكمة مشكورة ان قرارها صدر بسبب "عدم كفاية الادلة"، تخيل جنابك ان دولة بكل اجهزتها تقف عاجزة في...
علي حسين

قناطر: عن الثقافة وتسويقها

طالب عبد العزيز تدهشنا مكاتبُ الشعراء والكتاب والفنانين الكبار، بموجوداتها، هناك طاولة مختلفة، وكرسي ثمين، وأرفف معتنى بها،وصور لفلاسفة،وربما آلات موسيقية وغيرها، ويدفعنا الفضول لفتح الأدراج السرية في المكاتب تلك، مكاتب هؤلاء الذين قرأنا...
طالب عبد العزيز

هل يستطيع العراق في 2026 أن يهزم الفساد وينزع سلاح الميليشيات؟

جورج منصور يقف العراق مع مطلع عام 2026 عند مفترق طرق حاسم في صراعه الطويل مع ثنائية الفساد المستشري والسلاح المنفلت خارج إطار الدولة. فقد كرَّست العقود الماضية بيئة سياسية هشة، غاب فيها حكم...
جورج منصور

الاستقرار السياسي.. بين حكمة دنغ واندفاع ترامب

محمد سعد هادي يروي «سلمان وصيف خان» في كتابه المهم «هواجس الفوضى: الاستراتيجية الكبرى للصين، من ماو تسي تونغ إلى شي جين بينغ»، حوارًا جرى عام 1989 بين دنغ شياو بينغ والرئيس الأميركي الأسبق...
محمد سعد هادي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram