بغداد / تبارك عبد المجيد
لم يعد الابتزاز الإلكتروني في العراق مجرد حالات فردية معزولة، بل تحول إلى تهديد متصاعد يمس الأمن المجتمعي والخصوصية الرقمية، في ظل انتشار واسع لاستخدام وسائل التواصل وضعف أدوات الحماية القانونية والتقنية. وبينما تسعى الجهات الأمنية إلى احتواء هذه الجرائم عبر تسهيل الإبلاغ ومعالجة الحالات بسرعة، يحذر مختصون من أن غياب التشريعات الناظمة لحماية البيانات وقلة الوعي الرقمي ما زالا يشكلان ثغرة خطرة يستغلها المبتزون والمتطفلون.
تطبيق "أمين"!
كشف المتحدث باسم جهاز الأمن الوطني، أرشد الحاكم، عن إطلاق تطبيق إلكتروني جديد يحمل اسم "أمين"، يهدف إلى معالجة قضايا الابتزاز الإلكتروني وتسهيل إجراءات تقديم الشكاوى للمواطنين، ضمن جهود الجهاز في تعزيز الوعي المجتمعي والتصدي للجرائم الإلكترونية.
وأوضح الحاكم لـ"المدى"، أن "التطبيق انطلق ضمن حزمة من الفعاليات الوطنية الجاهزة، وهو متاح للتحميل على جميع منصات التحميل، وبإمكان أي شخص تنزيله بسهولة واستخدامه دون تعقيد. ويتيح التطبيق تقديم البلاغات بشكل مباشر، مع ضمان معالجة الروابط أو وسائل الابتزاز خلال مدة قياسية لا تتجاوز 48 ساعة من وقت تقديم الشكوى". وبين أن تطبيق "أمين" يشمل معالجة القضايا المتعلقة بالأشخاص دون سن 18 عاماً وكذلك من هم فوق هذا العمر، حيث يتيح للقاصرين، الذين لا يمكنهم قانونياً تقديم شكوى رسمية، إمكانية تقديم بلاغ إلكتروني عبر التطبيق، ليتم لاحقاً تحليل البلاغ والتعامل معه وفق الإجراءات المعتمدة وبالسرعة المطلوبة.
وعن أسباب إطلاق التطبيق، أكد الحاكم أن جهاز الأمن الوطني لاحظ خلال الفترة الأخيرة ارتفاعاً ملحوظاً في حالات التهديد والابتزاز الإلكتروني، ما استدعى التوجه نحو حلول تقنية حديثة. وأشار إلى أن الجهاز أطلق منذ نحو سنتين إلى ثلاث سنوات حملة توعوية بعنوان "إحنا بظهركم"، ركزت على معالجة الابتزاز الإلكتروني وتعزيز ثقافة التعامل الصحيح مع هذه القضايا. وأضاف أن الحملة في عامها الأول أسهمت في تحصين طالبات الجامعات وتوعيتهن بآليات التصرف السليم عند التعرض للابتزاز، ثم توسع نطاق الاستهداف ليشمل طالبات المرحلتين المتوسطة والإعدادية، حيث تم الوصول إلى أكثر من مليون طالبة خلال السنوات الماضية.
وتابع الحاكم حديثه بالتأكيد على أن الظروف المجتمعية الحالية، إلى جانب تعقيد بعض الإجراءات الروتينية، دفعت جهاز الأمن الوطني إلى اعتماد خطوات تقنية وإلكترونية حديثة، بهدف تسهيل التعامل مع مشكلات الابتزاز التي تواجه الشباب والفتيات، وتعزيز الحماية الرقمية للمجتمع. من جانبه، يرى الأكاديمي عمار محمد، اختصاص في التكنولوجيا، أن إطلاق تطبيق يمثل خطوة متقدمة في توظيف الحلول الرقمية لمواجهة جرائم الابتزاز الإلكتروني، خصوصاً في ظل الارتفاع المتسارع لاستخدام المنصات الرقمية بين فئة الشباب.
ويؤكد محمد لـ"المدى" أن أهمية التطبيق لا تقتصر على كونه وسيلة لتقديم الشكاوى، بل تكمن في تقليص الفجوة بين الضحية والجهات المعنية، وتجاوز حاجز الخوف أو التعقيد الإجرائي الذي يمنع الكثيرين من الإبلاغ، لاسيما القاصرين. كما أن سرعة الاستجابة ومعالجة المحتوى المسيء خلال وقت محدد تسهم في الحد من الأضرار النفسية والاجتماعية التي غالباً ما تتفاقم مع التأخير. ويشير إلى أن اعتماد أدوات تقنية آمنة ينسجم مع المعايير الحديثة للأمن الرقمي، شرط أن يترافق مع ضمانات واضحة لحماية البيانات الشخصية وسرية البلاغات، مؤكداً أن نجاح مثل هذه التطبيقات يعتمد أيضاً على استمرار حملات التوعية الرقمية، وتعليم المستخدمين أساليب الحماية الذاتية وعدم التفاعل مع المبتزين.
فجوة قانونية!
وذكر المختص في الأمن السيبراني والرقمي، مصطفى الموسوي، أن السنوات الأخيرة شهدت زيادة ملحوظة في حالات التطفل الرقمي داخل العراق، ما جعل هذه الظاهرة جزءاً شبه يومي من حياة المستخدمين. وأوضح الموسوي أن التطفل الرقمي يتجلى في اختراق الحسابات، وتسريب الصور، وحالات الابتزاز التي باتت تتكرر بشكل متزايد، مشيراً إلى أن انتشار الهواتف الذكية وضعف الوعي الأمني ساهم بشكل كبير في تضخيم المشكلة.
وأشار الموسوي لـ"المدى"، إلى أن أساليب المتطفلين رغم بساطتها، إلا أنها فعالة جداً، حيث تعتمد بشكل رئيسي على روابط مزيفة وصفحات تسجيل دخول وهمية، وسرقة رموز التفعيل، إلى جانب انتشار تطبيقات غير موثوقة تحتوي على برامج تجسس، واستخدام شبكات واي فاي عامة غير آمنة.
وأضاف أن هذه الطرق تستغل سرعة استخدام المستخدمين وتسرعهم، إلى جانب قلة الانتباه والحذر. واعتبر الموسوي أن غياب قانون حماية البيانات في العراق يشكل تحدياً كبيراً أمام تأمين خصوصية المستخدمين، حيث لا توجد قواعد واضحة تمنع الجهات المختلفة من جمع بيانات الأفراد دون ضوابط، مما يسهل بيع هذه البيانات وتسريبها واستغلالها بطرق غير قانونية. ولفت إلى أن وجود قانون صارم كان من الممكن أن يحد كثيراً من هذه الفوضى الرقمية.
وأوضح الموسوي أن الفئات الأكثر تعرضاً لهذه الهجمات الرقمية هم النساء والمراهقون بسبب حساسية المجتمع تجاههم، إضافة إلى المؤثرين وأصحاب الصفحات الكبيرة على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث يصبح اختراق حساباتهم ذا قيمة أكبر للمخترقين.
وأكد أن ضعف الثقافة الرقمية عند فئات واسعة يسهل عمل المبتزين ويزيد من حجم المشكلة. وشدد الموسوي على ضرورة قيام الدولة بتشريع قانون يحمي بيانات المواطنين وينظم عمل شركات الاتصالات والإنترنت، مع تقوية وحدات مكافحة الابتزاز والجرائم الإلكترونية.
كما دعا المواطنين إلى اتخاذ إجراءات وقائية شخصية، مثل تأمين الحسابات بكلمات مرور قوية، وتفعيل خاصية التحقق بخطوتين، وتجنب فتح الروابط المشبوهة أو مشاركة رموز التفعيل مع الآخرين، مؤكداً أن التصرف الصحيح يبدأ بالوعي قبل وقوع المشكلة وليس بعدها.










