TOP

جريدة المدى > سياسية > تناقص أعداد الصابئة المندائيين في العراق.. مخاوف الاندثار وصراع الحفاظ على الهوية

تناقص أعداد الصابئة المندائيين في العراق.. مخاوف الاندثار وصراع الحفاظ على الهوية

نشر في: 23 ديسمبر, 2025: 12:49 ص

 المدى/ سيزر جارو

يقف الصابئة المندائيون اليوم في العراق أمام واحدة من أخطر لحظات وجودهم التاريخي، على ضفاف الأنهار التي شكّلت منذ آلاف السنين مسرحًا لطقوسهم وعمادهم. وتجد هذه الديانة، التي تُعد من أقدم الديانات التوحيدية الحيّة في العالم، نفسها محاصَرة بعوامل سياسية واجتماعية واقتصادية دفعت أعدادًا كبيرة من أبنائها إلى الهجرة، ووضعت من تبقّى داخل البلاد أمام مستقبل غامض تتداخل فيه مخاوف الاندثار مع محاولات الصمود.
كان الصابئة المندائيون، قبل عام 2003، يشكّلون حضورًا واضحًا في مدن بغداد والبصرة وميسان وذي قار؛ إذ ارتبطت حياتهم اليومية بالحِرف، ولا سيما صياغة الذهب والفضة، وبالعيش قرب الأنهار التي تُمثل عنصرًا مركزيًا في طقوسهم الدينية. إلا أن التحولات العنيفة التي شهدها العراق بعد ذلك التاريخ، وبخاصة موجات العنف الطائفي والانفلات الأمني، جعلت هذا المكوّن المسالم هدفًا سهلًا للتهديد والاختطاف والابتزاز.
وفي هذا الصدد، يقول حيدر المندلاوي، الباحث في شؤون الأقليات والمتحدث لصحيفة «المدى»، إن «ما تعرّض له الصابئة المندائيون لم يكن حدثًا عابرًا، بل مسارًا طويلًا من الاستنزاف». ويضيف المندلاوي: «لم تُستهدف دور عبادتهم بشكل واسع فقط، بل طالت الانتهاكات الأفراد في أعمالهم ومنازلهم، ما دفع الكثيرين إلى اتخاذ قرار الهجرة بوصفه الخيار الوحيد للنجاة».
وانعكس هذا النزيف السكاني بوضوح على أعداد الصابئة داخل العراق؛ إذ تشير تقديرات غير رسمية إلى أن عددهم اليوم لا يتجاوز بضعة آلاف، مقابل عشرات الآلاف ممن كانوا يعيشون في البلاد قبل عقدين. ومع تقلّص العدد، انحسر الحضور الاجتماعي والثقافي، وتراجعت القدرة على نقل اللغة الدينية والطقوس إلى الأجيال الجديدة.
ولم يكن العنف المباشر العامل الوحيد في دفع الصابئة إلى الهجرة، إذ شكّلت التجاوزات الاجتماعية اليومية ضغطًا مستمرًا لا يقل قسوة. وتقول سلمى ساهي، وهي ناشطة مدنية مندائية، لـ «المدى» إن «الكثير من أبناء الطائفة تعرّضوا لتمييز في أماكن العمل، أو لإساءات لفظية وسخرية بسبب الجهل بطبيعة ديانتهم». وتضيف أن «هذه التجاوزات، وإن بدت بسيطة للبعض، إلا أنها تصنع شعورًا دائمًا بعدم الانتماء، خصوصًا لدى الشباب».
وتشير ساهي إلى أن غياب الوعي المجتمعي بطبيعة الديانة المندائية أسهم في ترسيخ صور نمطية خاطئة تُغذّي بدورها سلوكيات إقصائية، مؤكدة: «نحن لا نطالب بمعاملة خاصة، بل بحقنا الطبيعي في الاحترام والحماية، أسوة ببقية المواطنين»، معتبرة أن تعزيز ثقافة التنوّع في المناهج والإعلام بات ضرورة ملحّة.
من جانبه، يرى الكاتب والصحفي المهتم بملف الأقليات، رائد زهرون، أن مشكلة الصابئة المندائيين تتجاوز كونها أزمة أقلية عددية، ويقول لـ «المدى»: «نحن أمام اختبار حقيقي لقدرة الدولة العراقية على حماية تنوّعها التاريخي». ويضيف أن «استمرار تراجع أعداد الصابئة يعني خسارة جزء أصيل من هوية العراق الثقافية والدينية».
ويحذّر زهرون من أن ملف عودة المهاجرين المندائيين لا يمكن فصله عن واقع أوسع تعيشه الأقليات في البلاد، مستحضرًا في هذا السياق تجربة الإيزيديين الذين ما زال الآلاف منهم يعيشون في المخيمات وسط تعقيدات العودة إلى سنجار. ويقول زهرون: «إن غياب الأمن المستدام، وتأخر الإعمار، وتداخل السلطات، هي عوامل تجعل العودة محفوفة بالمخاطر»، معتبرًا أن الدولة لم تقدّم حتى الآن نموذجًا ناجحًا يُطمئن الأقليات.
وفي السياق ذاته، يوضح ليث العاني، وهو أستاذ علم الاجتماع في إحدى الجامعات العراقية، أن الهجرة الواسعة للصابئة المندائيين أدت إلى تفكّك شبكاتهم الاجتماعية التقليدية. ويذكر لـ «المدى» أن «الهجرة لم تقتصر على الأفراد، بل شملت العائلات بكاملها، ما خلق فراغًا اجتماعيًا ودينيًا داخل العراق»، مضيفًا أن هذا الفراغ يصعّب مهمة إعادة بناء المجتمع المندائي في حال توفّرت ظروف العودة مستقبلًا.
ويشير العاني أيضًا إلى تحدٍّ آخر يتمثل في الجيلين الثاني والثالث من المهاجرين الذين وُلدوا ونشأوا في دول المهجر، قائلًا: «هؤلاء يرتبطون بالعراق عاطفيًا، لكن ارتباطهم العملي بات ضعيفًا»، ومعتبرًا أن أي مشروع لعودة الصابئة يجب أن يأخذ في الحسبان هذه التحولات العميقة في الهوية والانتماء.
ومن داخل الطائفة، يعبّر قصي دخيل، أحد وجهاء الصابئة المندائيين في بغداد، عن قلقه من تآكل الوجود المندائي داخل البلاد، ويقول لـ «المدى»: «نحن نكافح للحفاظ على طقوسنا وتعاليمنا، لكن العدد القليل وقلة الموارد يجعلان المهمة شاقة»، مبينًا أن بعض المناسبات الدينية باتت تُقام بحضور محدود مقارنة بما كانت عليه في السابق.
ويرى دخيل أن الحل لا يكمن فقط في تشجيع العودة، بل في توفير بيئة آمنة ومستقرة لمن تبقّى، ويؤكد: «إذا لم يشعر الصابئي بالأمان في عمله ومدرسته وحيّه، فلن يفكّر بالاستقرار طويلًا»، داعيًا إلى تشريعات واضحة تُجرّم التمييز وتضمن الحقوق الدستورية للأقليات.
وفي المقابل، تؤكد مصادر حكومية وجود محاولات لتحسين أوضاع الأقليات عبر لجان وبرامج دعم، غير أن مراقبين يرون أن هذه الجهود ما تزال محدودة التأثير، ولم تنعكس بشكل ملموس على حياة الصابئة المندائيين؛ فعزوا ذلك إلى غياب المتابعة الجادة وضعف التنسيق بين المؤسسات، ما يجعل هذه المبادرات أقرب إلى الإجراءات الشكلية.
وبينما تتواصل الهجرة، يبذل الصابئة في الداخل والمهجر جهودًا للحفاظ على هويتهم من خلال التعليم الديني، وتوثيق التراث، وبناء جسور تواصل بين الجاليات. لكن هذه الجهود، كما يقول ناشطون، تبقى غير كافية في ظل غياب رؤية وطنية شاملة لحماية التنوّع.
وفي نهاية المطاف، تبدو قضية الصابئة المندائيين مرآة تعكس أزمة أوسع يعيشها العراق في تعامله مع تنوّعه الديني والثقافي؛ فإما أن يتحوّل هذا التنوّع إلى مصدر قوة يُدار بعقل الدولة، أو يستمر نزيف المكوّنات الأصيلة، ليصبح العراق أفقر بتاريخِه، وأقلّ قدرة على رواية قصته المتعدّدة. وبين نهرٍ ينتظر العماد، وذاكرةٍ تخشى النسيان، يواصل الصابئة المندائيون صراعهم من أجل البقاء في وطنٍ لم يكفّ يومًا عن اختبار صبر أبنائه.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

يحدث الآن

ملحق منارات

مقالات ذات صلة

توقعات عن خطة سافايا: إغلاق كل المصارف باستثناء 4.. واستهداف الفصائل المتمردة
سياسية

توقعات عن خطة سافايا: إغلاق كل المصارف باستثناء 4.. واستهداف الفصائل المتمردة

بغداد/ تميم الحسن مع تزايد الأنباء عن وصول، أو قرب وصول، مارك سافايا، مبعوث الرئيس الأميركي دونالد ترامب، إلى بغداد، يبرز سؤال رئيسي في الأوساط السياسية: هل سيكون الرجل خصماً أم شريكاً للمجموعة الحاكمة...
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram