بغداد / تبارك عبد المجيد
رغم العوائد النفطية الضخمة، يواجه الاقتصاد العراقي اختلالاً بنيوياً متراكماً يتجسد في الاعتماد الكبير على الاستيراد، ما يضعف القطاعات الإنتاجية المحلية ويهدد الأمن الغذائي والسيادة الاقتصادية.
السوق العراقية المفتوحة أمام السلع المستوردة تعكس غياب سياسة صناعية وزراعية واضحة، وضعف التنسيق بين السياسات المالية والتجارية، مقابل تركيز على الإنفاق الاستهلاكي وتمويل الرواتب والدعم، دون استثمار فعّال للثروات النفطية في بناء قاعدة إنتاجية محلية.
ويحذر خبراء الاقتصاد من أن استمرار هذا النمط يجعل العراق عرضة للصدمات الخارجية وتقلبات الأسواق العالمية، مؤكدين أن التحول إلى اقتصاد منتج يتطلب رؤية استراتيجية واضحة، إدارة كفؤة، وحماية مدروسة للمنتج المحلي، مع تطوير الصناعات الغذائية والزراعية، وتعزيز الرقابة على المنافذ التجارية والأنظمة المصرفية.
يرى الخبير الاقتصادي أحمد عبد ربه أن الاعتماد الكبير للاقتصاد العراقي على الاستيراد، رغم العوائد النفطية الضخمة، يعكس خللاً بنيوياً تراكم عبر عقود من الزمن. فبناء الاقتصاد العراقي على نموذج ريعي قائم على النفط أدى إلى إهمال القطاعات الإنتاجية، خصوصاً الصناعة والزراعة، وعدم توجيه الفوائض النفطية لبناء قاعدة إنتاجية محلية تلبي الطلب الداخلي.
ويشير عبد ربه لـ»المدى»، إلى غياب سياسة صناعية وزراعية واضحة، إلى جانب ضعف التخطيط الاقتصادي طويل الأمد، ما عمّق نمط الاستهلاك المعتمد على الخارج. كما تلعب السياسات الاقتصادية دوراً محورياً في هذه المشكلة، حيث ركّزت غالباً على الإنفاق الاستهلاكي وتمويل الرواتب والدعم والاستيراد، دون ربطها ببرامج تنموية حقيقية أو حماية مدروسة للمنتج المحلي. ويضاف إلى ذلك ضعف الإدارة الاقتصادية وتشتت القرار بين مؤسسات متعددة، وغياب التنسيق بين السياسات المالية والتجارية، ما جعل السوق العراقية مفتوحة أمام استيراد غير منضبط وأضعف القدرة التنافسية للإنتاج المحلي.
ويؤكد أن تقليل التركيز على استيراد السلع من عدد محدود من الدول لا يتحقق بالمنع أو الانغلاق، بل عبر تنويع مصادر التوريد وتوسيع الشراكات التجارية، خصوصاً مع الدول الإقليمية والآسيوية. ويجب تشجيع المنافسة بين المناشئ المختلفة، وتحسين كفاءة الاستيراد، ودعم الاستيراد المباشر من القطاع الخاص.
وعلى المدى المتوسط، يرى أن الإحلال الجزئي للواردات ممكن عبر دعم الصناعات الغذائية، والصناعات التحويلية البسيطة، ومواد البناء التي يمتلك العراق فيها فرصاً تنافسية.
وينبه عبد ربه إلى أن الاعتماد الكبير على استيراد الغذاء يشكل أحد أخطر جوانب الخلل، لما يمثله من تهديد مباشر للأمن الغذائي والسيادة الاقتصادية. فالعراق معرض للصدمات الخارجية وتقلبات الأسواق العالمية، رغم وجود موارد زراعية ومائية يمكن استثمارها بشكل أفضل. ولهذا، فإن معالجة هذا الملف تتطلب دعم الإنتاج الزراعي المحلي، وإصلاح سياسات التسويق والخزن، والاستثمار في الصناعات الغذائية، مع توفير حماية مدروسة للمنتج المحلي دون تحميل المستهلك أعباء إضافية. وفيما يتعلق بالفجوة الكبيرة بين حجم الاستيرادات المعلن الذي يقدر بنحو 60 مليار دولار، وقيمة السلع الفعلية الداخلة إلى البلاد، يصف عبد ربه هذه الفجوة بأنها مؤشر مقلق على وجود خلل في منظومة الرقابة الاقتصادية. ويعزو ذلك إلى تضخيم فواتير الاستيراد، أو تهريب العملة تحت غطاء التجارة الخارجية، أو ضعف الرقابة على المنافذ الحدودية والأنظمة المصرفية. ويرى أن هذه الاختلالات تتطلب إصلاحاً شاملاً لمنظومات الجمارك والتجارة والبنك المركزي، وربطها بنظام رقابي إلكتروني متكامل يعزز الشفافية ويحد من الهدر والفساد. ويخلص عبد ربه إلى أن مشكلة الاستيراد في العراق ليست مجرد مسألة تجارية، بل هي انعكاس لأزمة في نموذج الاقتصاد الوطني. فالتحول من اقتصاد ريعي مستهلك إلى اقتصاد منتج يتطلب رؤية استراتيجية واضحة، وإدارة كفؤة، وسياسات متناسقة تستثمر الثروة النفطية في بناء قاعدة إنتاجية مستدامة تحفظ السيادة الاقتصادية وتحقق الاستقرار والتنمية على المدى الطويل.
من جانبه، يرى عقيل الهاشمي، رئيس الهيئة الاستشارية لاتحاد الصناعات، أن مشكلة الاستيراد الكبير في العراق ليست نتيجة نقص في الكوادر أو الإمكانيات المحلية، بل ترتبط بأسباب متعددة أبرزها ضعف السيطرة على المنافذ الحدودية ودخول بضائع غير مطابقة للمواصفات.
يضيف الهاشمي لـ»المدى»، أن العراق يمتلك مؤهلات كبيرة يمكنها تعزيز توطين الصناعة المحلية، خاصة في قطاع المنتجات الغذائية، حيث توجد قدرات واضحة في إنتاج مشروبات غازية وعصائر ومنتجات مثل الكيك. ورغم ذلك، يستمر تدفق البضائع المستوردة، التي تسيطر عليها جهات معينة، مما يضعف الإنتاج المحلي ويعرقل نمو الصناعات الوطنية. ويؤكد الهاشمي أن الكثير من هذه البضائع المستوردة لا تخضع لمعايير التقييس والسيطرة النوعية، مما يشكل خطراً صحياً على المستهلكين. ويذكر أنه تقدم بشكوى لدى الجهات الأمنية المعنية ضد دخول معجنات غير مطابقة للمواصفات الصحية، مضيفاً أن هذه السلع تشكل تهديداً للأمن الغذائي. وفي جانب آخر، يشير الهاشمي إلى تجربة أزمة كورونا التي كشفت هشاشة الاعتماد على الاستيراد، خاصة في المواد الغذائية والأدوية، حيث أُغلق العديد من الحدود وأصبح تأمين الاحتياجات الوطنية تحدياً كبيراً.
ويشير إلى أن العراق يسعى حالياً إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي في القطاع الدوائي، حيث وصل إلى 35% من التوطين في مصانع الأدوية، ويهدف إلى رفع هذه النسبة إلى 70%، خاصة في أدوية الأمراض المستعصية. ويتابع الهاشمي بالتأكيد على أهمية تقليل الاعتماد على النفط كمصدر رئيسي للدخل، والاهتمام بتطوير باقي القطاعات الصناعية، لافتاً إلى أن الأمن الغذائي والدوائي يرتبطان ارتباطاً وثيقاً بسياسة الصناعات المحلية وقدرتها على المنافسة والاستمرارية. كما ذكر أن «العراق يصدر إلى أكثر من 32 دولة وذلك ضمن كتاب وزارة التجارة دائرة المعارض».
خاص بالمدىالأسواق العراقية تحت سيطرة الواردات الاستيراد الكبير يخنق الصناعة المحلية ويهدد الأمن الغذائي!
الأسواق العراقية تحت سيطرة الواردات الاستيراد الكبير يخنق الصناعة المحلية ويهدد الأمن الغذائي!

نشر في: 23 ديسمبر, 2025: 12:53 ص









