أحمد حسن
المدرسة الحكومية في أي مجتمع تعد أحد أعمدة تكوين المواطنة وإثبات وجود الدولة نفسها، وتتجاوز في أهميتها الجيش ، لأنها الحاضنة التي يتكون فيها الفرد خارج روابط الدم، ويتعلم الانتماء إلى جماعة أوسع من الأسرة والعشيرة والطائفة. داخل المدرسة يتشكل الوعي الجمعي، وتغرس اللغة والقيم والسلوكيات الأولى، ويبنى الإحساس بالوطن.
في العراق، كان التلاميذ والطلبة يقضون زمنا معتبرا داخل المدرسة الحكومية، يتشربون منها أنماط العيش المشترك، والرسم، والرياضة، والاندماج الاجتماعي الحقيقي. لذلك لم تنظر المدرسة يوما شأنا ثانويا، اذ تعد مهمة سيادية تقع في صلب وظيفة أي حكومة. فالدولة التي لا توفر تعليما مجانياً لائقاً ليست دولة، فهي تصبح سلطة احتلال أو استعمار. ويذكرنا التاريخ بأن المغول، عندما احتلوا بغداد، دمروا المدارس وفي مقدمتها المستنصرية، كما فعل الغزاة لاحقاً، وصولا إلى الغزو الأميركي الذي استهدف فكرة التعليم العام نفسها، عندما حولت المدارس إلى ثكنات عسكرية ومرافق خدمية، في إسقاط مباشر لحرمة المدرسة واغتيال معنوي الى التعليم العمومي في العراق.
لعقود طويلة، شكلت المدرسة الحكومية أحد آخر الأماكن الجامعة بين العراقيين. فقد كانت المكان الذي يلتقي فيه أبناء الفلاحين والموظفين والضباط، أبناء المدن والأرياف، ضمن بنية واحدة تمنح الجميع فرصة متقاربة للصعود الاجتماعي، رغم الطابع السلطوي للدولة. في الصف الواحد، يجلس ابن المدير العام إلى جانب ابن الفراش والسائق والطبيب والمهندس، فتتشكل لغة مشتركة وذاكرة وطنية أولية، وإحساس نسبي بالمساواة المعنوية. وبهذا، أدت المدرسة وظيفة الحد من الانقسام الطبقي، ومنعت المجتمع من التحول الكامل إلى قطاعات او داربين مغلقة كما شهدنا عام 2006 كيف فصلت المناطق بالصابات الكونكريتية، في مشهد اشبه بالفصل العنصري.
غير أن هذا المسار لم يلغ بقرار واحد، ولم ينهب بالسلاح الظاهري، وانما جرى تفتيته بطريقة أكثر خبثا وأشد جرماً. فالمدرسة الحكومية تركت بعد عام 2003 مفتوحة بلا ترميم، بلا أثاث لائق، بلا خدمات صحية، ومن دون بناء مدارس جديدة تستوعب النمو السكاني، جرى سحب المدرسة بهدوء من المجال العمومي، قطعة قطعة، حتى وجد العراقيون انفسهم أمام مؤسسة قائمة شكلاً، فارغة مضموناً، أشبه بقبر منبوش.
هذا التدمير للمدرسة لم يكن عجزا ماليا كما يروج، كان عبارة عن مسارا سياسياً واقتصادياً منظما، نقلت فيه المدرسة من كونها حقا عاما ومسؤولية سيادية إلى منطق السوق والاستثمار، لتصبح غنيمة للربح بيد الأحزاب المتنفذة وشبكات السلطة والجماعات المسلحة. وسبق تفريغ المدرسة الحكومية من معناها تقديم البديل، وهي المدرسة الأهلية. وتركت الأبنية من دون صيانة، وغابت أبسط شروط الحياة المدرسية. لا ماء صالح، ولا مرافق صحية، ولا مقاعد محترمة، ولا تدريب حقيقي للمعلمين. وتحول الاكتظاظ من خلل استثنائي إلى قاعدة دائمة. صفوف تضم عشرات بل مئات التلاميذ، ومدارس تعمل بدوامين أو ثلاثة أو أربعة، حتى غدا الذهاب إلى المدرسة فعلا استنزافيا لا تجربة تربوية. هكذا قد صنع الانهيار ببطء، ليبدو لاحقا طبيعيا، وليقدم التعليم الأهلي باعتباره الخيار الوحيد الممكن.
ومع التنبيه انه قد رافقت ذلك فضائح فساد كبرى، مثل مشاريع بناء المدارس الوهمية التي صرفت عليها ملايين الدولارات، ومنها مشروع الهياكل الحديدية في زمن وزير من حزب الدعوة الإسلامية خضير الخزاعي، و نهبت الأموال عبر شركات منفذة، بعضها إيرانية، من دون أن تبني مدارس حقيقية. في أي بلد في العالم يسرق المال المخصص للمدارس بهذا الشكل؟ في العراق فقط، الذي اصبح فيه الحزب الحاكم إلى ماكينة نهب ممنهجة.
هذا الانهيار لا يمكن تبريره بندرة الموارد. فالدولة التي تمول مشاريع إسمنتية عملاقة، وتبني جسورا ومولات ومجمعات سكنية وتقيم المهرجانات الثقافية والدعائية قادرة على بناء مدارس حديثة. والإهمال هنا قرار سياسي ونابع من سلطة تخشى التعليم المجاني لأنه ينتج وعيا وكذلك لأنه يهدد بنية الهيمنة ويضرب نيو ليبرالية التي أسس لها الحكم الجديد في العراق. ومع انهيار المدرسة الحكومية يقدم قبالها التعليم الأهلي كحل واقعي، لا لأنه الأفضل بقدر ما يعتقد انه أقل سوءا من الخراب الكامل. هنا يتم الاختطاف الحقيقي، عندما يجبر المجتمع على الاختيار بين السيئ والأسوأ.
التعليم الأهلي في العراق لم يُبنَّ كونه مكملاً للنظام التعليم ، وانما جاء كمشروع استثماري جشع يتوافق مع سياسة نيو ليبرالية الحاكم في العراق. وكثير من مدارسه مملوكة بشكل مباشر أو غير مباشر لأحزاب وشخصيات مرتبطة بالسلطة، وخصوصا الأحزاب الحاكمة من مختلف المكونات التي تقوم في إدارة المدرسة بمنطق الربح لا التربية والمعرفة، وترفع الأقساط، وتخفف المعايير، وقامت في تحويل قلق الآباء على مستقبل أبنائهم إلى مورد مالي دائم.
في هذا السوق المغلق ، الظالم للفقير ولشريحة المتوسطة في العراق، يتحول التعليم من حق ، إلى سلعة منتهية الصلاحية غير قابلة للاستهلاك ، وأيضا من ضمانة اجتماعية إلى امتياز طبقي وكأنما نحن في زمن عصر النبلاء والإقطاعية. كل مدرسة أهلية تفتح من دون بناء مدرسة حكومية مقابلة هي خطوة إضافية في اغتيال فكرة الحق العام في التعليم. وفي بعض المناطق، لم يقتصر الأمر على الإهمال إذ جرى الاستيلاء على المدارس نفسها، وفرض ولاءات ورموز سياسية، وتحويل المدرسة إلى فضاء مسيس ومراقب.
وعندما يجبر المجتمع على التعامل مع التعليم كخدمة مدفوعة، تتغير العلاقة بين الفرد والدولة جذريا. والمواطن يصبح هشا ضعيفا، مشروط الوجود بقدرته على الدفع. الأخطر أن هذه الوضعية تعيد إنتاج اللامساواة جيلاً بعد جيل، وتحول التعليم من غاية للعدالة إلى آلية لإدامة الفوارق والطبقية والفصل الطبقي بين تلميذ من عائلة فقيرة وآخر من عائلة غنية .
جشع نيوليبرالية في العراق هذا لا ينهب الحاضر لوحده ، وإنما يصادر المستقبل ايضا. لان المال يمكن تعويضه، أما الجيل المحروم من تعليم حقيقي فلا يمكن استعادته. والمجتمع الذي يفقد مدرسته يفقد قدرته على إدارة الدولة نفسها. وإن اختطاف التعليم الحكومي هو استثمار طويل الأمد في الجهل، والجهل هو الضامن الأكثر استقرارًا لاستمرار السلطة.
إذا استمر هذا الحال ، فلا قيمة للحديث عن الأخلاق والمواطنة والقيم وإصلاح نظام سياسي وغيرها من حدود الشعارات، لأن معركة استعادة المدرسة الحكومية هي معركة على العراق نفسه، هل هو مجتمع مواطنين، أم سوق كبير فيه القيمة بالقدرة على الدفع؟ فالحالة العراقية الآن تعطينا صورة عن عراق رهينة مدارس بلا دولة، ومجتمع بلا مواطنة ولا معرفة.










