ذي قار / حسين العامل
كشفت منظمات مجتمعية عن بيانات شبه رسمية تشير إلى انخفاض حالات الانتحار في محافظة ذي قار بنسبة 27 بالمئة خلال العام الحالي، وعزت أسباب الانخفاض إلى جملة من العوامل الاقتصادية والإرشادية، فضلاً عن دور الجهات الحكومية والمجتمعية في تقديم الدعم النفسي ومكافحة جرائم الابتزاز الإلكتروني والحركات الدينية المتطرفة التي تدفع أتباعها إلى الانتحار.
وفي حديث لـ «المدى»، يقول رئيس منظمة التواصل والإخاء الإنسانية في محافظة ذي قار، الدكتور علي عبد الحسن الناشي، إن «المعطيات الأولية تشير إلى انخفاض واضح في حالات الانتحار في محافظة ذي قار يشكل نسبة تتجاوز الـ 27 بالمئة»، مشيراً إلى «تسجيل ما بين 80 إلى 85 حالة انتحار خلال عام 2025، مقارنة بـ 117 حالة في عام 2024». وأوضح الناشي أن «منظمة التواصل والإخاء اعتمدت وسائل متعددة في عملية حصر حالات الانتحار وتوثيق بياناتها، وذلك عبر مراقبين يعملون في المنظمة، واعتماد بيانات قيادة الشرطة ومنشورات وسائل الإعلام الرصينة، ناهيك عن عضوية منظمة التواصل في خلية أزمة الانتحار ولجنة الوقاية من التطرف العنيف المؤدي إلى الإرهاب».
ويجد الناشي، الذي يشغل أيضاً منصب سكرتير خلية أزمة الانتحار في ذي قار، أن «انخفاض معدلات الانتحار خلال العام الحالي يعود لعدة عوامل، من أبرزها ما شهدته المحافظة خلال الأعوام الأخيرة من تعيينات للخريجين والعاطلين عن العمل، إذ جرى تعيين أكثر من 50 ألف فرد في مجالات التعليم والنفط والدوائر الحكومية الأخرى، ناهيك عن انتعاش حركة العمل في القطاع الخاص»، لافتاً إلى «شمول أعداد كبيرة من العاطلين عن العمل بمنحة شبكة الحماية الاجتماعية، وهو ما وفّر مصدر دخل ساعد كثيراً في رفع الأعباء والضغوط المالية التي قد تدفع الأفراد إلى الانتحار».
وتطرق رئيس منظمة التواصل والإخاء إلى أثر العامل الاقتصادي والنفسي على الأفراد الذين يكونون في مقتبل العمر، إذ يشكل الانتعاش الاقتصادي حالة من الاستقرار النفسي، فيما تدفع الأزمات الاقتصادية وشحّ فرص العمل نحو ضغط نفسي هائل على جميع أفراد المجتمع، ولاسيما الشباب الخريجين والمتزوجين منهم. وتحدث الناشي عن أثر الوعي المجتمعي في تراجع حالات الانتحار، ولاسيما الناجم منها عن الابتزاز الإلكتروني، لافتاً إلى أن «الكثير من الأفراد الذين يتعرضون للابتزاز الإلكتروني باتوا لا يتحرجون من الاتصال بالقوات الأمنية أو المنظمات المجتمعية أو الجهات الدينية لغرض مساعدتهم وإنقاذهم من تهديدات الابتزاز الإلكتروني».
ونوه الناشي إلى أن «نشر الوعي المجتمعي عبر عقد الندوات أو وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام أسهم كذلك في تفهم المجتمع لحالات الأمراض النفسية، والدفع باتجاه معالجتها قبل أن تتحول إلى عقد مستعصية قد تؤدي إلى الانتحار»، مشدداً على أهمية الدعم النفسي وإسهام مواقع التواصل الاجتماعي في ذلك. وبيّن أن «الكشف عن بيانات حالات الانتحار خلال الأعوام الأخيرة ومخاطر ارتفاع معدلاتها جعل من قضية الانتحار تتصدر الاهتمام الإعلامي والمجتمعي، مما استدعى تبني برامج توعوية وإرشادية من جهات متعددة، أفضت بالتالي إلى استنهاض الوعي الأسري في طريقة التعاطي مع العوامل التي تدفع الأفراد إلى الانتحار».
وتطرق الناشي إلى تنظيم عدة ندوات وورش عمل شاركت فيها مؤسسات حكومية ومنظمات مجتمع مدني حول مخاطر الانتحار وأسبابه وطرق الحد منه، لافتاً إلى إسهامات الإرشاد الديني في هذا المجال عبر المحاضرات والخطب الدينية في الجوامع والحسينيات. ونوه في الوقت ذاته إلى تدارك مخاطر الحركات الدينية المتطرفة التي تدفع أتباعها من الشباب والمراهقين إلى الانتحار، مشيراً إلى دور القوات الأمنية في الحد من نشاط الحركات المذكورة بصورة ملحوظة.
وخلص الناشي إلى أن «انخفاض معدلات الانتحار خلال العام الحالي لا يعني زوال الخطر، وإنما يستدعي تبني المزيد من البرامج التي تعزز الدعم النفسي والاستقرار الاقتصادي واستنهاض الوعي المجتمعي وتأمين خدمات إرشاد متخصصة». وأردف أن «الوقاية الحقيقية تتطلب ديمومة العمل بالبرامج التي أثبتت نجاعتها في هذا المجال، ناهيك عن توفير وسائل الترفيه والاهتمام بالنشاطات الرياضية والتربوية التي تساعد الشباب على تنمية وتطوير قدراتهم البدنية والعلمية ومهاراتهم الفنية وغيرها»، مشيراً إلى خلو مركز مدينة الناصرية الذي يضم أكثر من مليون نسمة من أي مرفق ترفيهي أو مدينة ألعاب حكومية.
وكانت بيانات المؤتمر التحليلي للواقع الأمني والجنائي السنوي الثاني عشر، الذي عقدته قيادة شرطة ذي قار مطلع شباط 2025 على قاعة المسرح السومري في مدينة أور الأثرية، قد كشفت عن ارتفاع في معدلات الانتحار بنسبة 34 بالمئة خلال عام 2024. وبينت عبر جداول إحصائية تسجيل 117 حالة انتحار عام 2024 مقابل 87 حالة عام 2023، بارتفاع قدره 34 بالمئة، مبينة أن «ظاهرة الانتحار هي مشكلة تستحق التوقف عندها كونها تؤثر على الأفراد والمجتمع»، وعزت أسباب الانحار إلى عدة عوامل من بينها: الاكتئاب الشديد، القلق والتوتر، المشاكل العائلية، المشاكل المالية، المشاكل الصحية المزمنة، الشعور بالوحدة والانعزال، التاريخ العائلي للانتحار، والتعرض للعنف أو الاعتداء.
وتشير البيانات الحكومية السابقة وبيانات منظمات المجتمع المدني العاملة في ذي قار إلى تنامٍ مقلق بمعدلات الانتحار في المحافظة التي تصنف ضمن المدن العراقية الأكثر فقراً وبطالة؛ فبعد أن كانت أعداد المنتحرين 48 حالة انتحار عام 2016، تضاعفت نحو ثلاث مرات خلال الأعوام اللاحقة لتبلغ 117 حالة في عام 2024. ويأتي هذا الارتفاع عبر قفزات سنوية، إذ سجلت ذي قار 53 حالة انتحار عام 2017، فيما سجلت انخفاضاً طفيفاً عام 2018 بتسجيل 51 حالة، لتعاود الارتفاع بعدها وتسجل 55 حالة في عام 2019. بينما شكل ما سجلته ذي قار خلال عام 2020 قفزة كبيرة في حالات الانتحار لتصل إلى 80 حالة، ليتواصل الارتفاع إلى 83 حالة في عام 2021، ليرتفع بعدها ويصل إلى 105 حالات في عام 2022، بينما انخفضت أعداد المنتحرين انخفاضاً ملموساً عام 2023 بتسجيل 87 حالة، لترتفع بعدها ارتفاعاً كبيراً في عام 2024 وتسجل 117 حالة انتحار، معظمهم من الشابات والشباب.
وبالتزامن مع اليوم العالمي لمنع الانتحار، دعت منظمات مجتمعية ومسؤولون حكوميون في ذي قار في العاشر من أيلول 2025 إلى تبني برامج حكومية ومجتمعية فاعلة للحد من ظاهرة ارتفاع معدلات الانتحار بين أوساط المراهقين والشباب، مشيرين إلى الارتفاع المقلق الذي بلغ 34 بالمئة عام 2024.
تراجع معدلات الانتحار في ذي قار بنسبة 27% خلال عام 2025

نشر في: 24 ديسمبر, 2025: 12:08 ص









