علاء حسنتعليمات الرئيس قبل رحيله بايام قليلة تكون شفوية، فهو لا يريد ان يترك وثيقة تتضمن وصاياه الأخيرة، ومنها أوامره لقواته باستخدام الأرض المحروقة، لا يستثني منها مصافي النفط، والجسور والطرق الرئيسة، بتلغيمها ثم نسفها، وقبل أيام قليلة من سقوط النظام السابق، صدرت الأوامر بتلغيم جميع الجسور المؤدية للعاصمة بغداد، وربما لهذا السبب أعلن وزير إعلام النظام محمد سعيد الصحاف بان "العلوج لم يصلوا" ولكنهم وصلوا وعبروا الجسور، وسلكوا الطرق الرئيسة، واتضح في ما بعد ان الجهات العسكرية المسؤولة عن تفجير الجسور لم تنفذ الأوامر، فوسائل الاتصال كانت مقطوعة، والقيادة تتنقل بين مكان وآخر تحمل معها الأموال الضخمة.
في مثل هذه الأيام من العام 2003 اتخذ الصحاف مقره في فندق الميرديان، ومن هذا المكان كان يعقد مؤتمراته الصحفية، والإعلاميون من خارج جوقة النظام كانوا على يقين راسخ بان ما يعلنه الصحاف مجرد أكاذيب، وحينما طالب احد الصحفيين من وزير الإعلام السماح له باستخدام هاتف الثريا، غضب الوزير، وتهجم على الصحفي، وقال له بالحرف الواحد: "كيف تسمح لنفسك بان تؤثر فيك أخبار العلوج"، وفي ما بعد اتضح بان الصحفي على حق والصحاف قضى ليلته في مقر إحدى الفضائيات العربية ليسلم نفسه بعد ذلك للعلوج وهذه المرة بزي مدني، وظهر بشعر رأسه الأبيض بعد سقوط الصبغ، وكأنه يريد القول ان فصل الخديعة أسدل عليه الستار والى الأبد.وصايا الرئيس المخلوع لم تصل لمنفذي نسف الجسور، واحد الضباط في مدينة المسيب رفض نسف جسر المدينة، وربما آخرون اتخذوا ذات الموقف، ومثل هؤلاء الضباط وغيرهم يعتقدون بان الجيش ليس لصدام و لم يكونوا من منتسبي قوات الحرس الجمهوري او الأمن الخاص.خلال الأيام الأولى للحرب رفض بعض ضباط الدفاع الجوي وضع مدافعهم المضادة للطائرات وسط الأحياء السكنية في العاصمة بغداد في البياع وحي العامل والسيدية والعامرية وهي المناطق القريبة من المطار، فاستحقوا تقدير الأهالي، وعرضوا أنفسهم للعقوبات،لكنها لم تنفذ بسبب ظروف تلك الأيام.كانت وسائل الإعلام الغربية تبث أخباراً وتقارير وعلى مدار الساعة تشير الى إمكانية استخدام النظام أسلحة محرمة دوليا، فترك الأهالي مساكنهم واتجهوا نحو الضواحي، في صورة تعكس التلاحم الاجتماعي المعروف لدى العراقيين في ذلك الوقت، وكانت وصايا المخلوع تمنع الأسر من ترك منازلها خشية احتلالها من قبل العلوج، وجعلها أوكاراً للقناصة لاصطياد المدنيين.ما حصل في بغداد قبل سقوط النظام نراه اليوم في ليبيا، فالقذافي المهدد بالرحيل، استفاد كثيراً من وصايا صدام، ومجريات الأحداث في المدن الليبية، تكاد تكون متشابهة مع ما جرى في العراق، لان المهدد بالخلع حريص على تنفيذ وصاياه من قبل قواته المسلحة.في أيام الرئيس الفرنسي الراحل ميتران، احتفلت إحدى الجامعات الفرنسية بعيد تأسيسها، ودعت أساتذتها المتقاعدين وشخصيات عامة من مفكرين وفلاسفة وأدباء وفنانين، وقبل الشروع ببدء الحفل، تفاجأ المنظمون بحضور ميتران، فوقعوا في حيرة من أمرهم، لان الرجل لم يكن من المدعوين، فعالج الرئيس الأمر بنفسه، واعتذر عن حضوره بلا دعوة، وفضل الجلوس في الصف الخلفي، ليشارك في الاحتفال بالتصفيق فقط.رحل ميتران من دون ان يترك وصايا وحادث الجامعة أضاف له سموا ربما لم يحصل عليه عندما أصبح رئيساً.لا شك في ان أصحاب العقد النفسية المستعصية على العلاج هم وحدهم يكتبون الوصايا متضمنة أوامرهم بالتخريب والدمار واتخاذ المدنيين دروعا بشرية، من اجل الحفاظ على أنظمتهم وبقاء الرئيس الذي يوصف جنونه بانه من خصال العظماء.من الغريب جدا ان تكون الوصايا شفوية حتى لا تستخدم في ما بعد كوثائق لإدانتهم بارتكاب جرائم بحق الإنسانية، وحتى الوزير الصحاف لم يحتفظ بوصية مكتوبة واحدة من وصايا رئيسه المخلوع.
وصايـــا المخلــوع

نشر في: 30 مارس, 2011: 08:13 م







