TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > ديكتاتورية المصطلح: "مثلث التسمية" ومعركة تحرر الهويات في المشرق

ديكتاتورية المصطلح: "مثلث التسمية" ومعركة تحرر الهويات في المشرق

نشر في: 4 يناير, 2026: 12:02 ص

سعد سلوم

في صراعات الهوية المشرقية، لا يُعد «الاسم» مجرد لقب عابر، بل هو خندق وجودي ومساحة اشتباك، فالتسميات التي يفرضها الآخرون تاريخيا لم تكن سوى «سجون فكرية» صُممت بعناية لتحويل الجماعات إلى كيانات هامشية معزولة عن متن الدولة. ولتفكيك هذه الأغلال، تبرز استراتيجية «مثلث التسمية السيادي»، وهو كيان حي يرتكز على ثلاثة أضلاع صلبة: يبدأ من الضلع اللاهوتي حيث يغدو التمسك بمصطلحات كـ «الموحدون» بالنسبة للدروز أو «المسيحيون» (بدلاً من النصارى) فعلا للتحرر من «وصمة الذمية» القديمة، ويتصل بـ الضلع الثقافي الذي يفرض السيادة اللغوية وملكيتها كما في «واو» الهوية الكردية التي ترفض الذوبان في لغة الغالب، وصولاً إلى الضلع القانوني الذي ينقل الجماعات من خانة «الرعية» التي تنتظر حماية مشروطة، إلى رحابة «المواطنة» المحصنة بالدستور عبر مسميات مدنية رسمية تُثبت حقهم الأصيل في الشراكة الوطنية.
إن أي اهتزاز في أحد هذه الأضلاع يربك توازن الهوية بأكمله، مما يجعل نضال الدروز والعلويين والإيزيديين والكورد والمسيحيين صراعا مريرا لانتزاع "الحق في تسمية الذات" باعتباره المفتاح الأول للاعتراف والسيادة في قلب الدولة الحديثة.
نجد في الجغرافيا السورية نموذجا واضحا في تجربة الطائفة العلوية التي خاضت غمار هذا الصراع بكل أبعاده الوجودية، حيث رُزحت تاريخيا تحت وطأة تسمية "النصيرية" التي لم تكن مجرد توصيف فقهي، بل أداة عزل منهجي استخدمها الخصوم كجدار عازل يشرعن استثناءهم من الفضاء العام ويحولهم إلى أقلية هامشية محرومة من صياغة سرديتها الخاصة . حتى جاء الانتقال إلى مسمى "علويين" مع فجر القرن العشرين كفعل ثوري للتحرر السياسي، استهدف إعادة ربط الطائفة بالفضاء الإسلامي العام مستندا إلى رمزية علي بن أبي طالب لإعادة بناء الهوية التاريخية وتفكيك الهامش، عبر الخروج من شرنقة الهوية المفروضة من الخارج إلى رحابة الهوية المصاغة من الداخل. مما مهد الطريق للمشاركة الفاعلة في صياغة مستقبل الدولة، وتحول الهوية الى أداة تمكين في معركة على الاعتراف والمكانة تعلن بلوغ الجماعة سن الرشد السياسي وقدرتها على فرض حضورها كشريك أصيل في العقد الاجتماعي.
المثال الثاني يبرز في نموذج الموحدين الدروز حيث تتحول الثنائية بين "الدروز" و"الموحدون" من مجرد ترادف لفظي إلى مساحة اشتباك وجودي بين نظرة الآخر والتعريف الذاتي .إذ يمثل الإصرار على تسمية "الموحدون" فعل تحرر من لقب تاريخي أطلقه الآخرون، ليعيدهم المسمى الجديد إلى جوهر عقيدتهم محولا الهوية من صفة "تبعية" لشخصية تاريخية إلى صفة "مطلقة" تؤكد توحيد الخالق. ويظهر هنا الذكاء الاستراتيجي في الجمع بين المسميين في السياقات الرسمية كحل براغماتي يضمن الاعتراف القانوني والحفاظ على المكتسبات الدستورية المرتبطة بلفظ "الدروز"، مع حماية الكرامة والقداسة الروحية التي يمنحها لفظ "الموحدون". ومن هذا المنطلق، يعيد الدروز هندسة هويتهم رافضين الاختزال في صفة الأقلية، عبر ترتيب انتماءات دقيق يبدأ بـ "الموحدين" للتعبير عن البعد الروحي، ثم "المسلمين" لتثبيت الجذور في الفضاء الواسع، و"العرب" تأكيداً على الانتماء القومي الأصيل، وصولاً إلى "الدروز" كتوصيف للخصوصية التاريخية. يصبح هذا الترتيب حائط صد مزدوجا ضد خطابات التشدد السلفي التي تحاول إخراجهم من دائرة الإسلام لتمهيد الطريق لعزلهم، وضد السردية الإسرائيلية التي تحاول استغلال الشعور بالتهديد لسلخهم عن محيطهم الطبيعي وتبرير استقطابهم، مؤكدين أن امتلاك القدرة على "تسمية الذات" هو فعل السيادة الأول وحصنهم الروحي والسياسي في عالم لا يعترف إلا بمن يحدد ملامحه بوضوح.
وعلى ذات النسق من المقاومة اللغوية، تنتقل معركة الاسم إلى الجغرافيا العراقية لتتجلى لدى الإيزيدية، حيث لا يقل الفارق بين "الياء" و"الألف" شأناً عن الفارق بين التبعية والاستقلال. فالإصرار الصارم على استخدام مسمى "الإيزيدية" (تبناه الدستور العراقي) بدلا من "اليزيدية" (نسبة الى يزيد بن معاوية) يمثل إعلانا عن سيادة لاهوتية ناجزة، وفعل استرداد لعمق ديني يسبق بقرون كافة الانقسامات الفقهية التي حاول الخصوم حصرهم فيها بوصفهم "فرقة إسلامية مارقة". ومن خلال هذا التحول الاستراتيجي، تتحرر الجماعة من شرك التسمية الذي حاول إلحاقها بصراعات تاريخية غريبة عنها، لتتحول إلى كيان ذي إطار معرفي خاص يحظى بشرعية دستورية نقلتهم من حيز الوصم والإقصاء إلى رحابة الاعتراف والفاعلية السياسية. وتماماً كما فعل العلويون في ترميم هويتهم، استخدم الإيزيديون هذا التصحيح كدرع يحمي خصوصيتهم الروحية، لتتحول التسمية من أداة تُستخدم للحكم عليهم من الخارج إلى رمز يُستخدم للتعبير عنهم كشريك أصيل يمتلك الحق الحصري في تعريف نفسه.
وعندما نصل إلى "الواو الكردية"، يكتمل مشهد التحرر الرمزي عبر اللغة، حيث يصبح الحرف الواحد أحيانا أقوى من صرخة سياسية وأرسخ من حدود جغرافية. فإصرار الكورد على كتابة ونطق اسمهم بالواو ورفض صيغة الجمع العربية "الأكراد" يتجاوز مجرد التفضيل الإملائي ليكون فعل مقاومة لغوية يهدف إلى كسر هيمنة لغة الغالب التي حاولت قسر الهوية داخل قوالب الصرف والنحو العربي لتدجينها لسانياً. إن هذه "الواو" تعيد الاسم إلى لغته الأم، مشكلة سياجا سياديا يرفض الاحتواء ويعلن أن الكورد أمة ترفض التعريب القسري وتبحث عن استقلالها المعرفي .وبالتوازي مع هذا الصراع اللغوي، تبرز مأساة "الكورد الفيليين" كشاهد حي على كيف تتحول التسمية السياسية من أداة لغوية إلى وسيلة للاقتلاع والتهجير. فبينما يمثل استرداد "الواو" استردادا للغة وسيادتها، تبرز تسمية "الفيليين" كفعل استرداد للمواطنة المسلوبة، فبعد أن حاولت سلطات البعث محو مواطنتهم عبر تسمية "التبعية الإيرانية" كوصم سياسي كان مقدمة لسلب الحقوق والجنسية يمثل التمسك بمسمى "الكورد الفيليين" اليوم فعل استعادة للذات يثبت مكانتهم كمكون أصيل يفرض نفسه كجسر بين القومية والمذهب في قلب الدولة الوطنية.
وعلى ذات المسار، يقتحم المسيحيون في العراق وسوريا ولبنان معركة المصطلح كبوابة للعبور نحو العصر الحديث، رافضين حصر وجودهم في قوالب لاهوتية جامدة تُقيد حركتهم داخل الدولة والمجتمع، إذ يمثل الإصرار على تعريف الذات بوصفهم "مسيحيين" أو "مواطنين" وتجاوز مسمى "النصارى" قطيعة معرفية مع إرث الذمية والتصنيفات الفقهية التي كانت تضعهم في مرتبة التابع المشروط بالحماية. ويأتي هذا الرفض لمصطلح "النصارى" كحائط صد ضد محاولات الاقتلاع التاريخي التي تهدف لتصويرهم كجماعة طارئة أو معزولة، وهي الثغرة التي تحاول السرديات المعادية (ومنها السردية الإسرائيلية) استغلالها لتقويض تماسكهم مع محيطهم وتصويرهم كأقلية غريبة تحتاج لحماية خارجية. ليرد المسيحيون بتبني ثنائية "مواطنون/مسيحيون" القادرة على قلب المعادلة وتحويل التهميش إلى رمز للمواطنة الفاعلة، مؤكدين أن سيادتهم الذاتية على التعريف هي حق أصيل يُنتزع من واقع المصير المشترك.
مثال أخر يتمثل في سعي "الروم الملكيون" لاستعادة صفة "الأنطاكيين" لتعريب الهوية وتجذيرها في التراب المشرقي، بدلاً من تسمية "الملكيين" التي كانت تربطهم تاريخياً بعرش بيزنطة الأجنبي. إن تسمية"الروم الملكيين"، لم تكن مجرد لقب ديني، بل كانت "وصمة سياسية" أطلقها الخصوم تاريخيا للإشارة إلى أولئك الذين انحازوا لمقررات مجمع خلقيدونية وتبنوا مذهب "الملك" (إمبراطور القسطنطينية). هذا الربط جعلهم يبدون في نظر محيطهم كـ "رعايا لعرش بيزنطي" أو امتدادا لنفوذ أجنبي داخل المنطقة، مما أضعف صورتهم كأبناء أصليين للأرض. واليوم يبرز إصرارهم على استعادة صفة "الأنطاكيين" كفعل سيادي يهدف إلى "تعريب" الهوية وتجذيرها في التربة المشرقية. فمن خلال استبدال المرجعية السياسية المرتبطة بالخارج (الملك/بيزنطة) بمرجعية جغرافية حضارية مرتبطة بالداخل (أنطاكية)، يسعون إلى كسر التبعية التاريخية وإثبات أنهم جزء أصيل لا يتجزأ من الفضاء العربي. وتحويل الكنيسة في الوعي المعاصر من كيان مرتبط بمركز نفوذ وراء البحار إلى مؤسسة مشرقية الهوى، عربية الثقافة، ومتجذرة في وجدان المنطقة وتاريخها الإنساني.
أما في الحالة الكلدانية والآشورية والسريانية، فتظهر "الواو" مرة أخرى ليس كحرف لغوي فحسب، بل كأداة "هندسة سياسية" لمواجهة التفتت. فالتسمية المركبة "الكلدو-آشوريين السريان" المعتمدة في أدبياتهم السياسية، تمثل محاولة لتجاوز الانقسامات الكنسية والمذهبية العميقة. إن الجمع بين هذه المسميات الثلاثة بـ "واو العطف" هو حل براغماتي يهدف لضمان ثقلهم السياسي ككتلة واحدة تضم (14 طائفة و 12 حزبا سياسيا)، فالحرف هنا يجمع شتات الهوية الممزقة، ويحول الصراع على "من هو الأقدم" إلى تحالف سياسي يضمن البقاء والتمثيل في ظل نظام المحاصصة المعقد.
في الختام، تكشف هذه النماذج أن "الاسم" ليس مجرد بطاقة تعريف، بل هو الخندق الأول والأخير في معارك الدفاع عن الذات، فمن خلال "مثلث التسمية"، نجحت هذه المكونات في تحويل هوياتها من "أهداف سهلة" للاحتواء أو الإقصاء إلى "قلاع حصينة" للسيادة والمواطنة. إن الصراع الذي يخوضه الدروز والعلويون والإيزيديون والكورد والمسيحيون بكل تنوعاتهم، يثبت أن الهوية في منطقتنا ليست قدرا مفروضا من الماضي، بل هي استراتيجية واعية ومستمرة تجمع بين حماية "الخصوصية الروحية" والاندماج في "العمومية الوطنية". إن احترام "الحق في تسمية الذات" هو اختبار لمدى نضوج الدولة الحديثة وقدرتها على استيعاب التعددية، فبناء العقد الاجتماعي المستقر لا يبدأ من سحق الاختلافات، بل من الاعتراف بالمسميات كما يراها أصحابها، لتتحول التسمية من "سجن فكري" إلى جسر يعبر بالجميع من ضيق التبعية إلى رحابة المواطنة الفاعلة والاعتراف المتبادل.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

يحدث الآن

فرض حظر تجوال من 11 مساءً حتى 6 صباحاً في ميسان

مجلس الوزراء يعطل الدوام الرسمي يوم الخميس من الأسبوع المقبل في بغداد

الصدر يوجه رسالة لأهالي ميسان ويحذر "الوقحين" بعد التوترات الأخيرة

وزارة النفط تؤكد: لا شح في إنتاج الغاز

العراق يستعيد 273 ألف برميل يومياً من حصته النفطية داخل أوبك

ملحق عراقيون

الأكثر قراءة

العمود الثامن: فارس النوابغ

العمود الثامن: فتاة البصرة

الانتخابات النيابية السادسة في العراق، 2025: من زاوية أخرى

العمود الثامن: أنت تكريتي ياوله ؟!

قناديل: غُرَباء عن أنفسنا

العمود الثامن: أنت تكريتي ياوله ؟!

 علي حسين عندما سقط تمثال صدام في 9/4، كانت الناس تأمل بخطاب وطني يجمع العراقيين، بعد ما عانوه من ظلم في زمن الدكتاتورية، لكنهم وجدوا ان احزاب الطوائف اصرت ان تعلن ان المرحلة...
علي حسين

قناطر: الخوف من عُرّيِّ الكلمة

طالب عبد العزيز توقفتُ طويلاً عند قصيدة (تحذير) للشاعرة البريطانية جيني جوزيف(1932-2018) التي ترجمتها الشاعرة العراقية كولالة نوري، والمنشورة في صفحتها على الفيسبوك، سأختار بعضاً منها هنا: عندما أصبحُ عجوزًا،/ سأرتدي اللونَ الأرجوانيّ /...
طالب عبد العزيز

زمن المعرفة لا زمن التفاهة

محمد الربيعي* كلما ترددت كلمة «التفاهة» في النقاشات العربية أتذكر ما كتبته قبل سنيين حين انتشرت هذه المفردة في المخيال الجمعي بعد صدور الترجمة العربية لكتاب الفيلسوف الكندي ألان دونو الذي حمل في الأصل...
د. محمد الربيعي

ترامب يتحدى النظام العالمي ويخالف القانون الدولي

باسكال بونيفاس ترجمة : عدوية الهلالي إن عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض ليست مجرد تحول كبير في السياسة الخارجية الأمريكية، بل هي شرارة ثورة استراتيجية هيكلية، وتغيير في النظام العالمي، ما يعني التشكيك...
باسكال بونيفاس
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram