TOP

جريدة المدى > عام > معماريةُ الخراب حين تصبح المدينة جسداً مأزوماً يفقد أطرافه

معماريةُ الخراب حين تصبح المدينة جسداً مأزوماً يفقد أطرافه

نشر في: 4 يناير, 2026: 12:02 ص

حسن أكرم
ثلاث شخصيات محملة بماض مركب؛ مهندس وبقال ولاعب كرة قدم، يواجهون لعنة كونية يفقدون على أثرها أصابعهم، ورجولتهم، وحواسهم. تظهر رواية «أصل الأنواع» لأحمد عبد اللطيف كفضاء ممتد لنظرية دارون، لكن في اتجاه «المسخ» لا الارتقاء؛ حيث يفقد البشر أعضاء من أجسامهم ليتحولوا إلى كائنات جديدة تتكيف مع عصر فقد عدالته واتساقه. إنه عالم مفكك، بلا ألوان، يمشي فيه الناس ببطء جنائزي، بلا وجهة وبلا طريق.
وعلى الرغم من طبيعتها الكابوسية التي ترصد انحلال المدينة والإنسان، إلا أن الرواية تضع المشاعر الإنسانية في اختبارٍ قسري، لتروي لنا تحدياتٍ جديدة للحب، وتقترح شكلاً مغايراً من الأحاسيس يليق بسكان "المنيل" وهم يواجهون قدرهم الوجودي.
حكايةٌ نتفادى رويَها
تتجلى «أصل الأنواع» كحكاية مؤلمة عن تلك الحياة التي تنتظرنا في الأفق، لتبدو في جوهرها حكاية عربية خالصة؛ فهي وإن كانت تعالج أثر الحداثة على الكائن الإنساني، إلا أنها تغوص بشكل أعمق في تأثيرات هذه الحداثة على البيئة العربية المتشظية. ينهض النص كعملية تشريحية دقيقة لهموم الإنسان العربي، نفسياً وجسدياً وثقافياً، مقدمة حكايتنا المسكوت عنها، تلك التي نتفادى رويها دوماً.
ما يمكن ملاحظته بوضوح، أن هذه الرواية لا تشبه سائد الرواية العربية المعاصرة؛ إذ أصرّ كاتبها، أحمد عبد اللطيف، عبر الملامح الفنية التي صاغ بها لغتها وشكلها ونوع الكائنات المختلقة فيها، على تقديم تجربة سردية مغايرة لا تقبل المقارنة. إنها عوالم متفردة تجعل القارئ والناقد على حد سواء يبصران انفراد عبد اللطيف بمعالجاته الجمالية عن مجايليه؛ إذ يكفي أن تقرأ فصلاً واحداً من هذا العمل -حتى لو نُزع الاسم عن مخطوطته- لتدرك أنك أمام نص جديد شكلاً ومعنى، يحمل بصمة كاتب لا يخطئه الحدس.
اللغة ككتلة كابوسية
يستخدم عبد اللطيف لغةً متداخلة، تمزج بين الفصحى والمصرية ببراعة دون أن يفصل بينهما، فلا يفرز خطاباً عن آخر. ينساب النص كمنولوج طويل ممتد، لا يمنح القارئ استراحة، ولا يقطعه بجمل اعتراضية أو توضيحات لمسارات اللغة. تأتي اللغة هنا ككتلة متجانسة تعبر عن واقع الرواية الكابوسي؛ فأنت تقرأ حتى حدود الاختناق، كأنك سجين داخل كابوس «أصل الأنواع»، كابوس المدينة التي تفقد أصابعها، حيث تتجول وحوش الكاتب وكائناته حولك، وفي أحيان كثيرة، تلتصق بك تماماً.
معمارية الفصول.. العودة للأصل
تتشكل الرواية وفق تقطيعات للفصول تقع ضمن «أبواب» تُعد بمثابة مداخل للعمل. يمتد الزمن الروائي لأسبوع معلوم، هو «أسبوع الآلام»، يتقسم كل يوم فيه إلى فصول يتم وسمها بالأحرف الأبجدية. يشي هذا التقطيع برغبةٍ عميقة في العودة إلى «الأصل»: أصل اللغة، الذي يتناوب مع دعوة الكاتب للتمسك بأصل المدينة (في إحالة لحماية المعمار القديم من الهدم)، والعودة إلى أصل الإنسان الذي لوثته الحداثة.
تشكل هذه الدعوات الثلاث جوهر الرواية، حيث تتناوب الشخصيات الرئيسة على نسج عالم متكامل يلتحم تدريجياً، لتظهر شخصيات ثانوية تربط الحكايات الثلاث الكبرى ببراعة. ثمة ثلاث شخصيات تتعاقب في استشعارها لفقدان الأطراف والحواس (رام وبشتان ويحيى الحافي)، لكنه فقدان يتجاوز البعد الصوري ليكون فقداً داخلياً، متمثلاً في العجز والتعطل النفسي. وعلى الرغم من أن الشخصيات تبدو في البداية بعيدة عن القارئ، إلا أنها سرعان ما تلتصق به، ناقلة إليه "عدوى" الاحتراق النفسي.
تحديات النص ومسؤولية الكاتب
لا يمكن وصف «أصل الأنواع» بأقل من كونها رواية «مزعجة»، وهذا بحد ذاته مؤشر على نجاح باهر للكاتب في جرّ قارئه إلى مدينته الكابوسية عنوة. لا تترك الرواية مسافة للأمان؛ بل تجعلك تتماهى مع آلام شخصياتها إلى أبعد حد.
لقد وضع الكاتب نفسه أمام تحديات كبرى لإنتاج شكل جديد من الخطاب الفني، نلمس فيه معالجة جمالية متميزة تشبّه ما يفقده الإنسان الحديث من ذاته بما تفقده المدينة من عمرها. برع عبد اللطيف في صياغة ربطٍ نفسي بين شخوصه والمدينة "الجماد"؛ فحين تفقد الشخصيات أطرافها، تتحول جدران المقابر التاريخية إلى أكوام من التراب تسقط تحت أقدام المدينة، تماماً كما سقط شعر "رام" تحت قدميه في الحمام.
يحمّل الكاتب نصّه مسؤوليات كبرى، محاولاً شحذ الضمير الإنساني، وتعريتنا أمام صمتنا المخجل على ضياع حيواتنا ومدننا. إننا أمام رواية عربية جديدة، تبدو كصرخة عالية في وجه أعراف الكتابة والضمير العربي معاً. ومن هنا، يمكن التنبؤ بأن نصاً كهذا سيصمد طويلاً أمام النقد، وسيعيش أعماراً مديدة؛ ففي كل مرة نعاود فيها قراءة التاريخ الروائي العربي، سنضع أصابعنا على هذا النص للإشارة إلى نقلة نوعية قد حدثت بالفعل.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق منارات

الأكثر قراءة

موسيقى الاحد: موتسارت الاعجوبة

فكرة اقصاء الرأس في أعمال علي طالب

معماريةُ الخراب حين تصبح المدينة جسداً مأزوماً يفقد أطرافه

لوران موفينييه يخطف جائزة غونكور للأدب: مقاومة وقوة الأدب في رواية (البيت الفارغ)

المرأة في أعمال الفنان ديلاكروا: تجاوز الصورة النمطية للجمال

مقالات ذات صلة

فكرة اقصاء الرأس في أعمال علي طالب
عام

فكرة اقصاء الرأس في أعمال علي طالب

خضير الزيدي واحدة من سمات علي طالب في الفن سواء الرسم او النحت انه منحاز للوقوف الدائم بين (التشخيص والتجريد) حتى وان اتضحت تجربته بشكل ملفت او مقلق الا ان الحقيقة انه لم يتخل...
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram