لطفية الدليمي
في تلكم السنوات البعيدة من سبعينات القرن الماضي، عندما كانت كتب الفلسفة الوجودية والماركسيّة بعضاً من زادنا الثقافي اليومي، كنّا نقرأ عن مفاهيم عديدة صارت جزءاً من العدّة الفلسفية اللازمة لكلّ منضوٍ في الإنتلجنسيا العربية. واحدٌ من أهمّ المفاهيم حينذاك كان (الإغتراب أو الألْيَنة Alienation) كما طاب لنُحّاة المفاهيم أن يصفوه تناغماً مع موسيقى اللغة العربية الجميلة. تعاملنا حينذاك مع هذا المفهوم بوصفه مفهوماً فكريّاً، مجرداً، لا يليق به سوى المكوث في المثابات الفلسفية العالية حيث لا يكون سوى حالة ذهنية تصيب الإنسان حين ينفصل عن ذاته، وعن عمله، وعن العالم من حوله. كنّا نقرأ سارتر وكامو وماركس وماركوز ودي بوفوار وسواهم من أقطاب الثقافة اليساريّة، ونكتفي بوضع خطوط تحت الفقرات ثقيلة الوطأة، ثم نغلق الكتاب الذي بين أيدينا ونحن نشعر في قرارة أنفسنا أنّ ما نقرؤه بعيدٌ عنّا. ما لَنا والتغريب عندما كنّا نضجُّ بجذوة الصبا؟ كان اغترابُ الكتب الفلسفيّة كأنّه يتحدث عن إنسان آخر، في زمن آخر، أو عن أزمة فكرية لا تخصُّ حياتنا اليومية على نحو مباشر. لم نكن نحسّ بالإغتراب؛ كنّا نفهمه فقط.
اليوم، لم نعُدْ في حاجة إلى كتاب فلسفة كي نختبر الإغتراب. صرنا نعيشه. نستيقظ في الصباح ونمضي إلى أعمالنا، نؤدّي مهامنا بكفاءة أو في الغالب من غير كفاءة كما هو شائع في بلدنا، نبتسم في الإجتماعات، نجيب عن الرسائل، ننجز المطلوب، ثم نعود إلى بيوتنا بشعور غامض بالفراغ. يوم كامل مرّ، وربما أسبوع، ربما سنوات، دون أن نستطيع القول بثقة إنّنا كنّا حاضرين حقّاً فيها. كأنّنا نعيش حياتنا بالنيابة عن شخص آخر. هنا يبدأ الإغترابُ في شكله الأكثر حداثة: أن تكون داخل حياتك؛ لكن خارج نفسك. تكون هويتك الذاتية مشوّهة.
الإغترابُ، كما تصوّره الفلاسفة، لم يكن صدمة واحدة كبرى بل تآكلاً بطيئاً، وهذا تماماً هو ما يحدث لنا الآن. لا نستيقظُ ذات صباح لنكتشف أنّنا غرباء عن أنفسنا؛ بل نبلغ هذا الشعور الإغترابيّ بعملية بطيئة وعلى نحو تدريجي يستعصي على الملاحظة المباشرة. نعيش في زمن يطالبُنا بأن نكون دائماً (شيئاً ما): منتجين، متفاعلين، مُتاحين، متّصلين. لكنْ لا أحدَ يسألنا إن كنا نحن أنفسنا. لا وقت للتوقّف لأنّ التوقّف يُعدّ فشلاً. لا وقت للسؤال لأنّ السؤال لا يدرّ ربحاً. هكذا، شيئاً فشيئاً، نتعلّمُ أن نؤجل أنفسنا لأزمان قادمة في الغالب لن تأتي: بعد إكمال الدراسة الجامعية، بعد الماجستير أو الدكتوراه، بعد المشروع القادم، بعد الإستقرار المالي، بعد الزواج، بعد هذه المرحلة أو تلك. تصبح حياتنا سلسلةَ مراحل لا تنتهي؛ لكنّ المراحل (أو الزمن بالأصحّ) تطول، والحياة لا تنتظر.
الغربة عن الذات لا تعني دائماً الألم الصارخ. أحياناً تتخفّى الغربة لتكون هادئة، صامتة، بلا دموع. تشبه لامبالاة خفيفة تتسلّلُ إلى كل شيء. لا نفرح بعمق، ولا نحزن بعمق. نعيش في المنطقة الوسطى، الآمنة، الخالية من المخاطر، والخالية أيضاً من المعنى. هذا أخطر أشكال الأغتراب؛ لأنّه لا يوقظنا بل يجعلنا كائنات أدمنت السّرْنَمَة. نشبه حينها مَنْ يهوي مِنْ علّ بفعل الجاذبية الأرضية من غير أدنى رغبة في المقاومة.
في عقود سابقة، كان الإنسان يشعر بالإغتراب لأنه مُستغَلّ، أو مقموع، أو محروم ماليّاً. أما اليوم، فكثيرون يشعرون بأنّهم غاطسون في بركة الإغتراب حتّى وهم يملكون ما كان يُفترَضُ أن يحقق لهم الرضا: وظيفة مستقرة، دخل معقول، مساحة من الحرية. باختصار يملكون طعاماً وسقفاً ومساحة مقبولة من مستوجبات العيش الإنساني الذي يحفظ الكرامة البشرية الثمينة ولا يهدرها. مع ذلك ترى الواحد منهم يتساءلُ في استفهام خفي كمن يحدّثُ نفسه: (هل هذه هي الحياة التي أردتها؟). سؤال لا يُطرَحُ بصوت عالٍ، لأنّه مُرْبِك، ولأنّه عصيٌّ على أيّة إجابة جاهزة.
وسائل التواصل الإجتماعي، وهي أداة عظيمة الفائدة لو وظّفناها لتعلّم حقيقي جاد، ساهمت بدورها في تعميق حسّ الإغتراب. نحن نعرض نسخاً محسّنة من أنفسنا، ونقارنها بنسخ محسّنة من الآخرين، ثم نعود إلى ذواتنا الحقيقية بشعور خفي بالنقص والدونيّة. نعرف كيف نكتب عن مشاعرنا؛ لكننا لا نعيشها. نعرف كيف نعلن عن آرائنا؛ لكننا لم نعُدْ نعرف لماذا نؤمن بها أصلاً. حتى ذواتنا صارت محتوى أقرب لمضخّة بيانات تغذّي المحرّكات الخوارزمية في العالم الرقمي. الغريب في الأمر أننا، رغم هذا كله، نادراً ما نسمّي ما نعيشه بإسمه. يخذلنا التوصيفُ الدقيق. نقول إننا (مُتْعَبون)، (مضغوطون)، (بحاجة إلى إجازة). نبحث عن الحلّ في الراحة المؤقتة لا في السؤال الجذري الذي يسائلُ الأعماق الدفينة. التعب الحقيقي ليس تعب الجسد بل تعب البحث عن المعنى. هو ذلك الإحساسُ بأنّ حياتنا تتسلّلُ منّا سريعاً دون أن تترك أثراً فينا، أو نترك نحن أثراً فيها.
أن نكون غرباء عن أنفسنا يعني أن نعيش وفق إيقاع لا يشبَهُنا، وأن نقبل تعريفات جاهزة (مُسَلْفنة) للنجاح والسعادة، دون أن نسأل إن كانت تخصُّنا حقّاً. الإغتراب لا يعني بالضرورة أنّنا لا نعرف كيف ننجو بحياتنا ونديمُها. هو يعني أنّنا لا نعرفُ لماذا نريد النجاة أصلاً، ومن أجل ماذا؟
ربما لا تقدّمُ لنا الفلسفة الوجودية حلولاً سريعة، وأظنّها لم ولن تقدّم مثل تلك الحلول. لا الفلسفة الوجودية ولا أيُّ فلسفة أخرى في العالم. كلٌّ منّا يتوجّبُ عليه أن يشكّل فلسفته الخلاصيّة. إنّما الفلسفة الوجودية في الأقلّ تملك شجاعة التوصيف. يكفيها شرفاً أن تقول لنا: ما تشعرون به ليس ضعفاً فرديّاً بل تجربة إنسانية عميقة، وأنّ أول خطوة للخروج من نفق هذا الإغتراب ليست تغيير العالم كله بل استعادة العلاقة مع الذات: أن نصغي لأنفسنا، لا كفكرة؛ بل ككائن حيّ كما هو: خائف، متردّد، وحيد؛ لكنه صادق في السعي إلى الخلاص.
لا أحد، وليس من الحقوق الحصرية لأحد أو لمؤسّسة، مطالبتُنا بأن نغيّر حياتنا بين ليلة وضحاها، ولا بأن نهرب من العالم أو نهشّم كل ما بنيناه. نحنُ مطالبون بشيء أكثر إلحاحاً: ألّا نختفي داخل حياتنا. أن ننتبه إلى اللحظة التي نكفّ فيها عن الشعور، عن الدهشة، عن السؤال، لأنّها اللحظة التي يبدأ فيها الغياب الحقيقي، وهو بوّابة كلّ اغتراب في هذا العالم.
الصدمة ليست في أنّنا مُتْعَبون بل في أنّنا اعتدنا هذا التعب وصيّرناه تجربة عادية، في أننا صرنا نعتبر الغربة عن أنفسنا أمراً طبيعياً وثمناً لا بد منه للعيش. هنا مكمنُ الخطر: حين تتحول الحياة إلى مهمة يجب إنجازها، لا إلى تجربة يجب أن تُعاش وفقاً لخواصنا الفردية. مع ذلك، لا تزال ثمّة فسحةٌ لأمل- ليس أمل الشعارات الكبيرة بل أمل الفعل الصغير: أن نستعيد حقّنا في الإيقاع البطيء، في الرفض، في اختيار ما يشبهنا ولو كلّفَنا ذلك أن لا نحوز النجاح المعرَّف مسبّقاً. ذلك هو الرهان الحقيقي في زمن الإغتراب، هنا، في حياتنا اليومية البسيطة، في مدننا التي أنهكها الإنتظار، وفي بيوتنا التي نحاول حمايتها من اليأس. ليس أمامنا سوى خيار بين خياريْن: أن نستعيد أنفسنا وسط كلّ هذا الضجيج، أو نواصل العيش كما لو أنّنا نؤدّي دور (الكومبارس) في حياة لا نريدها ولا تريدُنا.
في بلد اعتاد أن يعلّم أبناءه الصبر (لن أقول الصبر الجميل) أكثر مما يعلّمهم الفرح، قد يكون استرداد الذات فعل مقاومة صامتة، مقاومة لا تكتفي برفع شعارات صاخبة؛ لكنها تبدأ من سؤال صادق: كيف نعيش دون أن نفقد أنفسنا؟
أرتعِبُ كثيراً من فكرة أن ينهض أحدنا يوماً من نومه لا ليتحسّس نفسه هل صار صرصاراً كافكوياً؛ بل ليكتشف أنّه عاش عمراً كاملاً دون أن يكون (هو).
هل تتخيّلُ رُعْبَ المشهد معي؟










