علي حسينبدون مقدمات استيقظت نقابة الصحفيين من سباتها العميق، وفتح ما يسمى بـ "نقيب الصحفيين" جرار مكتبه ليبتلع مجموعة من حبوب الشجاعة ليتحفنا بتصريح ثوري ضد الإساءات التي قام بها مجلس محافظة بغداد بحق أبناء المدينة وبحق الصحفيين مهددا بتنظيم تظاهرة اعتصام أمام مجلس المحافظة شعارها وهدفها "خلع" كامل الزيدي من كرسيه.عندما قرأت الخبر تصورت أن البيان صادر عن نقابة صحفيي الصومال،
أو أن مؤيد اللامي قرر أن يرشح نفسه بديلا للحاج كامل الزيدي فنحن لازلنا نعيش زمن العجائب، فليس أكثر تصاغرا من مجلس محافظة بغداد، إلا نقابة اختطفها موظف صغير ليجلس على مقعد مؤسسها وكبيرها الراحل محمد مهدي الجواهري، وقضية نقابة الصحفيين تفتح ملفا شائكا يمكن أن نطلق عليه ملف "وضع الصغار في مقاعد الكبار" وهي الحالة التي اجتاحت العراق منذ أن سلم "القائد الضرورة" بعضا من مفاتيح البلد بيد شبليه فكان أن اختطف الشبل عدي نقابة الصحفيين وخرج يقودها مع بعض قادة فدائيي صدام.لقد عاشت الأسرة الصحفية العراقية منذ منتصف التسعينيات تحت رحمة مجموعة من الطائشين يتزعمهم الشاب عدي وبعض حوارييه من الممتلئين جهلا وادعاء فارغا من أية قيمة فكرية أو إنسانية. غير أن "نقيب الصحفيين" الحالي يبقى حالة فريدة من نوعها، إذ يبدو أكثر مهارة من العديد من السياسيين الذين وجدوا أنفسهم يتصدرون المشهد هذه الأيام، فهكذا حين يتخيل اللامي أنه من الممكن أن يكون نقيبا للصحفيين، في الوقت الذي لا يربطه بوسائل الإعلام سوى كونه مندوباً سابقاً في نقابة فناني ميسان.وربما يقرأ البعض هذا الكلام على أنه سخرية من الرجل، غير أن الأمر ليس كذلك، إذ إنه من المهم التعرف على الأرضية التي جاء منها، لنستطيع فهم الكوارث التي نتجت وتنتج عنه وكان آخرها ما يسمى بقانون حماية الصحفيين المعروض الآن على مجلس النواب، سيقول البعض أن الأسرة الصحفية بحاجة إلى قانون يحميها وينظم عملها، وبحاجة إلى مناخ صحي لحرية التعبير يحميها من بطش المؤسسات الحكومية، وسيقول آخرون إن مجلس النواب مهتم بأمن وأمان الصحفيين ولهذا فهو مصر على تشريع قانون لحمايتهم، كل هذا صحيح، ولكن بقانون على مقاس الصحفيين كافة لا على مقاس مؤيد اللامي وشلته، فالذي يقرأ القانون يكتشف إن الذي يقف وراءه ويطالب بتشريعه لا يزال حتى هذه اللحظة يرفض أن يخلع بدلة فدائيي صدام، فالقانون صمم لحماية نقابة صحفيي عدي، وليكرس و يمنهج الأخطاء التي وقعت بها النقابة منذ منتصف التسعينيات وحتى الآن، فواضعو القانون مصرون على تكريس مرجعية السيد اللامي وأصحابه باعتبارها المرجعية الوحيدة للصحفيين.الأوساط الصحفية والإعلامية تعرف عن حق أن هناك من وضع يده بالنصب والاحتيال على نقابة الصحفيين، وتعرف كيف تدار النقابة، و كيف أن نقابة الصحفيين لم تصدر بيان استنكار واحد ضد غزوات الحاج كامل الزيدي ضد المثقفين، بل العكس، ذهب اللامي ليبارك هذه الغزوات شرط أن يتغاضى مجلس المحافظة عن نادي الصحفيين ويعفيه من قرارات الحملة الإيمانية التي قادها الحاج الزيدي وهذا ما حصل، ففي الوقت الذي أغلقت فيه جميع النوادي الاجتماعية في بغداد ظل السيد مؤيد اللامي وشلته يسهرون حتى الصباح تحت حماية مجلس المحافظة وشرطته، وتعرف الأسرة الصحفية جيداً أين تذهب أموال النقابة ومن يتاجر بدماء الصحفيين ليشتري بها رضا الحكومة.ويعرف المجتمع الصحفي الكثير عن مخالفات مجلس النقابة الحالي وكيف حُولت النقابة إلى شركة مساهمة توزع عائداتها بين حفنة من الأشخاص، ولهذا لم يعد مدهشا أن نجد رؤوس مجلس النقابة تدافع عن قانون يحمي مصالحها الخاصة محاولين أن يبدوا للناس وكأنهم فرسان الحقيقة والمناضلون في الحرب من اجل الصحفيين،وأنبياء النزاهة ورسل الصدق، والناس تدرك بأن كل هذا كذب في كذب. نقابة الصحفيين وملفها لم يعد أمرا مخفيا على الجميع ولهذا، كان الأولى بمجلس النواب أن يناقش شرعية المجلس الحالي وأن يسعى لاكتشاف أسرار النقابة والاقتراب من تفاصيلها، فهي معلنة ومشهودة، ووقائعها واضحة للعيان، ولهذا فأن ذنب الصحفيين معلق في رقاب مجلس النواب والحكومة الذين لا يزالون يواصلون جريمة التستر على مجلس نقابة غير شرعي وهي جريمة لا تقل خطورة عن جريمة الذين يتسترون على رموز الفساد، وتبرئتهم من كل ما عليهم من ديون قانونية وأخلاقية.
العمود الثامن: جريمة مجلس النواب بحق الصحفيين

نشر في: 30 مارس, 2011: 09:31 م







