بغداد/ تميم الحسن
يبدو أن المفاوضات داخل «الإطار التنسيقي» بشأن اختيار رئيس الحكومة المقبلة قد دخلت مرحلة جمود، بانتظار حسم ملف رئاسة الجمهورية، في وقت تتكاثف فيه المؤشرات على صعوبة تمرير الاستحقاقات الدستورية ضمن المهل الزمنية المحددة.
ووفق مصادر سياسية مطلعة، فإن «الإطار التنسيقي» أوقف مداولاته المتعلقة بمرشح رئاسة الوزراء بعد وصولها إلى «طريق مسدود»، في ظل تمسك كل من رئيس الوزراء المنتهية ولايته محمد شياع السوداني، وزعيم ائتلاف «دولة القانون» نوري المالكي بالمنصب، من دون التوصل إلى تسوية داخلية.
بالتوازي، يجري تداول ستة أسماء مرشحة لمنصب رئيس الجمهورية، الذي يُعد من حصة المكون الكردي، بينهم أربعة مرشحين أكراد ومرشحان من قوميات أخرى، من ضمنهم إعلامي معروف وامرأة.
وكان مجلس النواب قد أعلن، الأربعاء الماضي، فتح باب الترشيح لمنصب رئيس الجمهورية لمدة ثلاثة أيام، تنتهي يوم الاثنين المقبل، في خطوة تفتح فعلياً العد التنازلي للاستحقاق الرئاسي.
ووفق الدستور العراقي، تمتلك القوى السياسية مهلة شهر واحد لانتخاب رئيس الجمهورية، الذي سيكلف بدوره مرشح «الكتلة الأكبر» بتشكيل الحكومة.
غير أن الجلسة الأخيرة لاختيار هيئة رئاسة البرلمان أظهرت هشاشة التفاهمات السياسية، وكشفت عن صعوبة تمرير منصب رئيس الجمهورية، لا سيما في ظل ما تصفه مصادر بـ«حركة الفصائل» داخل المجلس، وتأثيرها المباشر على موازين التصويت.
وفي هذا السياق، يبرز اسما رئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي، ومستشار الأمن القومي قاسم الأعرجي، بوصفهما «خيارات احتياطية» محتملة داخل الإطار، رغم عدم مشاركتهما في الانتخابات الأخيرة.
وكان «الإطار التنسيقي» قد قدم، الأسبوع الماضي، وثائقه الرسمية إلى البرلمان باعتباره «الكتلة الأكبر»، إلا أن الانقسامات الداخلية سرعان ما ظهرت إلى العلن خلال انتخابات رئاسة البرلمان، في مؤشر على تعقيد مسار التفاهمات المقبلة.
وتتوقع المصادر التي تحدثت لـ«المدى» أن يُحسم منصب رئيس الوزراء وفق سيناريو مشابه لما جرى في تشكيل هيئة رئاسة البرلمان، حيث تضغط المهل الدستورية على الأطراف السياسية لدفعها نحو تفاهمات متأخرة، تُنجز في «اللحظات الأخيرة» تفادياً للفراغ السياسي.
اللاعب الجديد
برزت «الفصائل» هذه المرة لاعباً مؤثراً في مسار اختيار الرئاسات الثلاث، بعد أن دخلت بقوة على خط التفاهمات السياسية، مستندة إلى ما لا يقل عن 80 مقعداً نيابياً، يشغل أكثر من نصفها نواب منضوون ضمن «الإطار التنسيقي»، وفق تقديرات سياسيين مطلعين.
وتواصل «الفصائل» الضغط في ملف اختيار رئيس الوزراء، عبر تعطيل أي مرشح يُعتقد أنه قد يتجه إلى العمل على «نزع سلاح» الجماعات المسلحة أو تقليص نفوذها.
وبرز هذا التوجه بوضوح في خطاب علني، تمثل بتغريدة نشرها على منصة «إكس» فالح الخزعلي، النائب والقيادي في كتائب «سيد الشهداء» بزعامة أبو آلاء الولائي، قال فيها إن «بعض القوى السياسية تبحث عن رئيس وزراء كيوت وحباب، على غرار نواف سلام»، في إشارة إلى رئيس الوزراء اللبناني المعروف بخطته لنزع سلاح «حزب الله».
وجاءت هذه التغريدة عقب رسالة لافتة بعث بها مبعوث الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى العراق، مارك سافايا، أكد فيها أنه يعمل على أن يكون عام 2026 «سنة انتهاء الميليشيات والسلاح المنفلت في البلاد».
وفي رسالته الموجهة إلى «شعب العراق» بمناسبة حلول العام الجديد، قال سافايا إنه سيتعاون مع حكومة بغداد لإنهاء «عدم الاستقرار، ونهب الثروات، وضعف الخدمات، والسلاح المنفلت، والتهريب، والبطالة، وهيمنة الميليشيات»، في موقف أعاد إلى الواجهة ملف حصر السلاح بيد الدولة بوصفه أولوية سياسية وأمنية.
وفي الأسبوع الماضي، كشف رئيس مجلس القضاء الأعلى، فائق زيدان، عن أسماء أربع فصائل أعلنت التزامها بمبدأ حصر السلاح بيد الدولة.
ورغم ذلك فإن الفصائل باتت تمسك بجزء مهم من مفاتيح التوافق داخل العملية السياسية والبرلمان، وتعيد توجيه بوصلة التفاهمات، وهو ما انعكس بشكل واضح خلال جلسة انتخاب هيئة رئاسة مجلس النواب، التي شهدت ارتباكاً غير مسبوق، اضطر معه المجلس إلى استبدال مرشح النائب الثاني لرئيسه لضمان تمرير الهيئة كاملة.
وبحسب مصادر سياسية، فإن ما جرى في تلك الجلسة لم يكن حادثاً عابراً، بل رسالة مبكرة بأن «الفصائل» تسعى لتكريس نفسها «رقماً صعباً» في المرحلة المقبلة، وقوة قادرة على تعطيل أو تمرير الاستحقاقات الدستورية.
وعلى هذا الأساس، لا يُستبعد أن تلعب هذه الجماعات دوراً معرقلاً في ملف اختيار رئيس الجمهورية، ولا سيما أن عدداً منها يرتبط بعلاقات متقدمة مع أحد الطرفين الكرديين الرئيسيين، في مقابل احتفاظ بقية قوى «الإطار التنسيقي» بعلاقات أقرب مع الطرف الكردي الآخر، بما يضع الجميع أمام معادلة توازن شديدة الحساسية.
وحتى الآن، لا تبدو هناك اجتماعات جدية بين الحزبين الكرديين الرئيسيين، «الديمقراطي الكردستاني» و«الاتحاد الوطني»، وهو ما يفتح المجال، بحسب أوساط سياسية، أمام تدخل أوسع للفصائل، خصوصاً في ظل تقاربها مع الحزب الثاني.
وفي هذا السياق، يحذر ماجد شنكالي، النائب السابق في الحزب الديمقراطي الكردستاني، من أن غياب التفاهم بين الحزبين قد يفاقم الأزمة، مشدداً في تصريحات صحفية على أن عدم الاتفاق سيؤدي إلى غياب وحدة الخطاب الكردي في بغداد، ما يتيح لقوى أخرى استغلال الخلاف وفرض «واقع جديد» على الطرفين.
وأشار شنكالي إلى أن العراقيل التي تعترض الوصول إلى تفاهم لا تزال قائمة، وفي مقدمتها عدم تشكيل حكومة إقليم كردستان، وغياب الاجتماعات واللقاءات الثنائية، معتبراً أن هذا الفراغ السياسي كان من بين الأسباب التي أفضت إلى ما حدث خلال جلسة انتخاب النائب الثاني لرئيس مجلس النواب.
التنافس على رئاسة الجمهورية
يتداول في الأوساط السياسية والإعلامية أربعة أسماء كردية مرشحة حتى الآن لمنصب رئيس الجمهورية، جميعها تنتمي إلى «الاتحاد الوطني الكردستاني»، فيما لم يتسرب اسماء من جانب «الحزب الديمقراطي الكردستاني» حتى الساعة.
وتضم قائمة المرشحين المتداولة كلاً من رئيس الجمهورية الحالي عبد اللطيف رشيد، ووزير العدل خالد شواني، ووزير البيئة السابق نزار آميدي، إلى جانب ئاسو فريدون.
وعلى الجانب الآخر من المشهد، دخل السباق الرئاسي مرشحان من خارج المنظومة الكردية والحزبية. الأول هو الإعلامي المعروف أحمد البشير، مقدم برنامج «البشير شو»، الذي يطلق على نفسه داخل برنامجه لقب «رئيس الجمهورية» في إطار ساخر، قبل أن يتقدم بترشيحه رسمياً.
أما المرشحة الثانية فهي أميرة الجابر، وهي المرأة الوحيدة ضمن قائمة المرشحين حتى الآن. وبحسب تعريفها الشخصي، تشغل الجابر عضوية المجلس الاستشاري النسائي في بغداد، وتنشط في ملفات تمكين المرأة وتعزيز المشاركة السياسية.
وأعلنت الجابر دخولها السباق الرئاسي عبر نشر رسالة الترشيح التي أرسلتها إلى مجلس النواب بواسطة البريد الإلكتروني الرسمي، على حساباتها في مواقع التواصل الاجتماعي.
وكان مجلس النواب قد أعلن فتح باب الترشيح لمنصب رئيس الجمهورية، داعياً الراغبين ممن تتوافر فيهم الشروط القانونية إلى تقديم طلباتهم التحريرية، مشفوعة بالوثائق الرسمية الأصلية التي تثبت استيفاء تلك الشروط، إضافة إلى السير الذاتية للمرشحين.
وأوضح بيان للمجلس أن الطلبات تُقدَّم إلى رئاسة مجلس النواب، وتُسلَّم إلى دائرة الشؤون القانونية في مجلس النواب داخل قصر المؤتمرات، خلال أوقات الدوام الرسمي من الساعة التاسعة صباحاً وحتى الثالثة بعد الظهر، في أيام الأربعاء والأحد والاثنين، الموافق 31 كانون الأول 2025، و4 و5 كانون الثاني 2026، مقابل وصل تسليم يثبت تاريخ تقديم الطلب ومرفقاته.
وبحسب البيان، يشترط في المرشح لمنصب رئيس الجمهورية، استناداً إلى المادة (1) من القانون، أن يكون عراقياً بالولادة ومن أبوين عراقيين، وأن يتمتع بكامل الأهلية وألا يقل عمره عن أربعين عاماً.
كما يشترط أن يكون المرشح حسن السمعة، وذا خبرة سياسية، ومن المشهود له بالنزاهة والاستقامة والعدالة والإخلاص للوطن، وأن يكون حاصلاً على شهادة جامعية أولية على الأقل، معترف بها من قبل وزارة التعليم العالي والبحث العلمي في العراق.
ويُشترط كذلك ألا يكون المرشح محكوماً بجريمة مخلة بالشرف، وألا يكون مشمولاً بإجراءات المساءلة والعدالة أو أي إجراءات بديلة لها.









