ما قاله الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لم يكن زلة لسان عابرة، إنما كان اعترافًا مكثفًا، خرج على غير قصد، يفضح جوهر السياسة الأمريكية المعاصرة، ويكشف السبب الحقيقي والهدف المباشر لعدوانٍ يتجاوز كل ما استقر عليه العالم من معايير وقيم، ويضرب عرض الحائط أبسط المبادئ التي يفترض أن تحكم العلاقات الدولية. لقد تحولت الشرعية الدولية، ومعها الأمم المتحدة ومجلس الأمن وسائر الهيئات المعنية بإدارة العلاقات بين الدول وحماية السيادة والاستقلال وحق الشعوب في اختيار مسار تطورها، إلى مجرد حبر على ورق.
في سرديته الطويلة والمفبركة، حاول ترامب أن يظهر الولايات المتحدة، التي قال إنها باتت "أعظم دولة يهابها العالم"، دولةً أكثر هيبة واحترامًا من أي وقت مضى، لكنه في الوقت نفسه كشف، من حيث لا يدري، عن عجزها المريع أمام ما سماه "مافيات المخدرات" التي تزرع الموت والتفكك الأخلاقي والجريمة المنظمة. روى، هو ووزير دفاعه، ثم رئيس هيئة الأركان، تفاصيل عملية "بطولية" لاختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته "في ظلمة الليل" بعد قطع شبكة الإضاءة، لتتحرك القوات الخاصة مستخدمة المناظير الليلية، خوفًا من أن تكتشفها الحماية الرئاسية "المحدودة العدد".
غير أن الإدهاش لم يقف عند هذا الحد. فالسردية نفسها تحدثت، بلا أدنى شعور بالسخرية، عن سنوات طويلة انشغلت خلالها كل الأجهزة الأمنية والاستخبارية، والقوات المسلحة، وإدارة الأمن القومي، وباختصار "إدارة أقوى رئيس في العالم"، بمراقبة تحركات مادورو، وانشغالاته، وكل ما يتعلق بإدارته لشؤون فنزويلا. ولم يشر ترامب، بطبيعة الحال، إلى أن الرجل الذي شغل هذه المنظومة الهائلة لم يكن يحميه سوى عدد محدود من أفراد الحرس الجمهوري!
ولا يكتمل هذا المشهد العبثي إلا بما يشبه النكتة السوداء، أو ذاك النمط من السخرية التي لا تقال إلا في سياق إنكار البديهيات، كأن يقال إن "الموساد هو من قتل الإمام علي"، أو أن "سلاح الميليشيات المنفلتة لن يسلم إلا للمهدي المنتظر". فقد تحدث ترامب وقادة جيشه بزهو وتمجيد عن قوة بلادهم، مشيرين إلى أن مئات الطائرات الحربية والمسيرات، والمروحيات، والسفن العسكرية، وآلاف الجنود والضباط، شاركوا في عملية اختطاف رئيس كان ينام في سريره إلى جانب زوجته من دون خوف من شعبه أو قلق من انقلاب.
وهنا نصل إلى بيت القصيد.. لماذا جنّد رئيس أقوى دولة في العالم كل هذه القوات والأسلحة المتطورة لاختطاف رئيس دولة مستقلة؟ هل لأن مادورو، كما زعم، يقود شبكات لتصدير المخدرات إلى الولايات المتحدة، ويتسبب يومياً بموت آلاف الشابات والشباب ضحايا الإدمان؟
الإجابة الحقيقية جاءت في اللحظات الأخيرة من خطاب ترامب، في تلك الفقرة الصاعقة التي قال فيها، بنشوة لا تخطئها الأذن، إن شركات النفط الأمريكية تستطيع الآن الذهاب إلى فنزويلا والاستثمار في نفطها، بعد أن "استعادت" الولايات المتحدة، عبر هذه العملية العسكرية "البطولية"، "البنية التحتية النفطية التي بنيناها نحن وسرقوها منا". ولم يقل، بالطبع، إن الشعب الفنزويلي، هو من أمّم تلك البنية لأنها شيدت بأموال الفنزويليين، تماماً كما صار محمد مصدق مارقاً حين أمم النفط في إيران في الخمسينيات، وكما صار عبد الكريم قاسم هدفًا للإطاحة به حين أمم الأراضي غير المستثمرة من شركات النفط التي بلغت ٩٠٪ وأسّس شركة النفط الوطنية.
إذن هكذا تتجلى "البطولة الخارقة" لأقوى دولة في العالم: اختطاف رئيس منتخب لدولة مستقلة لأنه "سرق" بنية تحتية نفطية. ولأجل ذلك تمت فبركة أكذوبة المخدرات، وتم ترويج حكاية الزوارق الصغيرة المكشوفة التي يفترض أنها تشرف على تهريب السموم إلى قلب الولايات المتحدة، زوارق يمكن رؤيتها وقصفها بالعين المجردة. وكأن الرئيس المختطف، الذي شغل الولايات المتحدة بكل إمكاناتها، قد تغافل عن مشاهدة أفلام مافيا المخدرات، التي تقدمها هوليود الأمريكية، وبالتالي لم يتعلم شيئاً من أساليبها الأكثر ذكاءً وتعقيداً في تهريب بضائعها من دول العالم كافة.
ألم يكن بإمكان ترامب، إذًا، أن يوكّل إحدى الميليشيات المستوطنة في منطقتنا بمهمة اختطاف مادورو، من دون الحاجة إلى هذه الفضيحة المدوية؟ مقابل، مثلاً، رفع اسمها أو اسم قائدها من قوائم العقوبات، ومكافأته بتنصيبه رئيساً، ما دام الإرهاب والميليشيا، في المنطق الأمريكي السائد، شهادة جاهزة على الكفاءة والبراعة والوطنية والقدرة على قيادة بلد؟
لكن الأخطر من كل ذلك، أن ما جرى مع فنزويلا لا يكشف فقط عن عدوانية إمبراطورية متغطرسة، بل عن تحول عميق في بنية النظام العالمي نفسه، حيث لم تعد الدولة الوطنية هي الوحدة الأساسية في الصراع، بل صارت عائقاً يجب تجاوزه. لم تعد السيادة قيمة، بل عبئاً، ولم يعد الاستقلال حقاً، بل شبهة!
في هذا العالم الجديد، تقاس شرعية الدول بمدى انصياعها للأسواق، لا بتمثيلها لشعوبها، وبمدى فتحها لحقولها وموانئها وشركاتها العابرة للقارات، لا بقدرتها على حماية مواردها.
فنزويلا، في هذا السياق، لم تعاقب لأنها فاشلة، بل لأنها حاولت أن تكون دولة. حاولت أن تقول: هذا نفطنا، هذه مواردنا، وهذا قرارنا.
تلك الإرادة الوطنية في عصر الشركات العابرة للحدود خطيئة لا تغتفر. فالانقلابات لم تعد تدبر فقط في الثكنات، إنما في البورصات. والعقوبات لم تعد أداة ضغط مؤقتة بل نظام حكم دائم، والانتخابات لم تعد معياراً للشرعية إنما تفصيلاً يمكن تجاوزه متى ما تعارض مع مصالح رأس المال المعولم.
من هنا، لا تبدو قصة مادورو استثناءً، بل نموذجاً.
نموذجاً لعالم لم يعد يحتاج إلى احتلال كلاسيكي، ولا إلى إدارة استعمارية مباشرة، لأن التفاهة نفسها صارت أداة حكم، ولأن الدولة جرى تفكيكها من الداخل، وتحويلها إلى كيان هش ومحاصر وقابل للابتزاز أو للإزاحة، متى ما تجرأ على الخروج عن النص!







جميع التعليقات 6
ابو محمد
منذ 1 يوم
فنزويلا وشقيقتها ايران وجهان لعملة واحدة من حيث تهريب النفط ونشر المخدرات لتحطيم وتدمير شعوب ف مادورو الرئيس يستحق الاعتقال عندما راه العالم وهو يرقص تذكرت زيلينسكي رئيس اوكرانيا فهؤلاء مكانهم المسرح وانتاج افلام وغناء وليس حجمهم بحجم استلام سلطة دول؟!!!
عبد الكريم عباس آل حاجم
منذ 1 يوم
كل الحكومات الوطنية التي تاسست في الخمسينات من القرن المنصرم نجحت ونبيتها التحية التي بنتها في بلدانها مازالت تعمل في الخمس سنوات الاولى من حكمها وكلها حاربتها امريكا بكل الوسائل الدولية والاقليمية والوطنية فقد صدق من قال وعلمنا ان امريكا عدوة الشعوب
كاظم مصطفى
منذ 1 يوم
هو الانسان دوما لايكفيه ما عنده بل الزياده هدفه وعلى مر التاريخ يتسلط القوي على الضعيف ويبتز موارده وذهبه وحتى نسائه في التاريخ الانساني ومنذ الخليقه هناك رب واحد يغبدونه ورب للعائله يأمر وينهي ورب للعالم اي شرطي يعمل حسب هواه فالبرئ متهم والمتهم برئ .
عبد العظيم صادقجعفر
منذ 20 ساعات
مقال تحليلي راقي ، ينم عن الخبرة المتراكمة لصحفي لامع مفهرس كريم ، وعن شيوعي لم يغادر أدوات تحليله لمفردات الصراع بين الإمبريالية وخصومها الضعفاء
Mosa
منذ 18 ساعات
👍👍👍
قاسم المظفر
منذ 12 ساعات
تحليل وسرد واقعي لحالة شاذه فرضت على العالم