TOP

جريدة المدى > عام > المرأة في أعمال الفنان ديلاكروا: تجاوز الصورة النمطية للجمال

المرأة في أعمال الفنان ديلاكروا: تجاوز الصورة النمطية للجمال

نشر في: 5 يناير, 2026: 12:02 ص

جمال العتّابي
منذ ظهور الفنان الفرنسي أوجين ديلاكروا* لأول مرة في صالون باريس عام 1822، إذ عرض "قارب دانتي" وحتى وفاته، كانت موضوعاته المشحونة عاطفياً، وتفرّده في استخدام اللون والتقنية، موضع جدل دائم. يقول عنه الفنان "سيزان": جميعنا نرسم بلغة ديلا كروا، لعل هذ القول يعطي انطباعاً مؤكداً عن الأثر العميق الذي تركه ديلاكروا على رسامي الطبيعة. وأصبح سيد الألوان من مؤسسي الحركة الرومانسية.
وجّه الرسام أوجين ديلاكروا اهتمامه نحو موضوع المرأة من خلال منظور فريد، فشرع برسم لوحة "الحرية تقود الشعوب"، وهي تخليد لثورة تموز الفرنسية، في اللوحة يقف جسد الحرية متمثلاً في امرأة عارية الصدر، تملؤها الحيوية، متمردة، تقود الجموع نحو النصر. هذه المرأة هي "ماريان"، شعار فرنسا الوطني الآن.
عندما سافر إلى مدينة طنجة المغربية عام 1832، أصبح موضوع المدينة يلهب حماسه، وبدأ في استخدام المزيد من الألوان وتنويعاتها، وأصبحت لوحاته تنضج بحرية أكبر. ليس من السهل على أي فنان أوربي زيارة بلدان المغرب العربي، في طنجة أبهره الضوء الأبيض، كان يردد: إنني أعيش وكأنني في حلم وأنظر إلى الأشياء بفضول خشية أن تهرب مني. فرسم لوحته المعروفة "نساء الجزائر" ثم رسم لوحة "عرس شرقي في المغرب" أذهلته حركة أجساد النساء الراقصات. ونقطة التحول في حياة الرسام بدأت فعلياً برسم لوحة "السلطان في مكناس". كان ديلاكروا يقول: إنه لو لم ير النساء الشرقيات حقاً، ما كان تعرف على ماهية الشرق الحقيقي في أكثر عناصره غموضاً، وسحراً. وحال عودته إلى فرنسا، بدأ برسم جميلات الجزائر، يفضن رقةً، ورهافةً، وذوقاً عبقاً، وحزناً وجمالاً. عمد ديلاكروا إلى استخدام لعبة الضوء والظل في إظهار مكامن الأنوثة.
في كثير من الأحيان، كان يحيط المرأة بهالة من الرموز التي تعكس حالتها النفسية الداخلية، ويضعها في عالم من الخيالات والأحلام. فهي في نظره كائن خاضع لقدر محتوم، يمتد من حوّاء إلى مريم العذراء، وقدرها ـ في رأيه ـ هو المعاناة.
لطالما قيل أو كُتب أن أوجين ديلاكروا لم يكن يرسم نساءً جميلات بالمعنى التقليدي. فوصف "الجميلة" لا ينطبق بدقة على معظم نماذجه النسائية. إن خياله الخلاق كان يدفعه نحو تصوير الاندفاع والدراما، أو بشكل أعم، نحو تصوير مشاعر الكآبة والسوداوية والأحلام الداخلية. لقد أتاح له خياله الخصب أن يبتكر نماذج متعددة للمرأة، ومما عزز هذا التنوع رفضه للصورة النمطية للمرأة الجميلة السائدة في عصره.
في بعض لوحاته، تظهر المرأة وكأنها مطواعة تحت وطأة الخضوع الأعمى، بينما في أعمال أخرى، نراها مندفعة نحو الجنون أو العنف الجماعي كما في لوحة "المشاجرة»، هذه الحالات النفسية المتباينة والمثيرة في أعماله كانت محط دراسة وتحليل من قبل النقاد خلال المعرض الكبير الذي أقيم عام 1855.
استعار ديلاكروا من التاريخ والأساطير أشهر نماذجه النسائية، ورسمهن بوجوه متعددة وحالات نفسية متنوعة. فهن ملكات وجواري، واهبات وراعيات، محصّنات أو عاريات، متوحشات أو متكيفات، مستسلمات أو غاضبات، عاشقات أو مفترقات، قديسات أو مجنونات. هذه النماذج المتباينة تتقاطع دائماً لتمنح لوحته طابعها الاستثنائي، فهي متغيّرة وعالية الأصالة، كما كانت في الحياة وبعد الموت.
هكذا قدم ديلاكروا المرأة في تنوعها الثقافي والاجتماعي: رسم هذه النماذج المختلفة بملامح وخصائص فنية متميزة، تماماً مثل التماثيل الإغريقية. لم يرسم سوى القليل من الصور الشخصية، ومنها صور لقريباته أو صديقاته، وكان الحضور النسائي الدائم في لوحاته يدفع البعض إلى الاعتقاد بوجود حالة خاصة في حياته، وهي فكرة تفتقر إلى الصدق. في الواقع، لم تكن له سوى حبيبة واحدة هي الرسم. أما الصلات العابرة فلم تكن ذات أهمية تذكر.
يظل ديلاكروا عبر أعماله معبراً عن رؤية عميقة ومتعددة الأوجه للمرأة، متجاوزاً الصورة النمطية للجمال ليعبّر عن عالمها الداخلي بكل تناقضاته: من البراءة إلى الحسيّة، ومن الخضوع إلى التمرد، ومن الحلم إلى المأساة. فكانت المرأة لديه ليست مجرد موضوع جمالي، بل أداة قوية للتعبير عن المشاعر الإنسانية والأفكار الفلسفية، وأيقونة تجسد قيماً مثل الحرية والتضحية والقدر.

* أوجين ديلاكروا: ولد في 26 نيسان 1798 ـ وتوفي في 13 آب 1863 يعدّ أحد رواد الرومانسية الفرنسية، لوحته المشهورة "الحرية تقود الشعب" محفوظة في متحف اللوفر.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق ذاكرة عراقية

الأكثر قراءة

الخزاف شنيار عبد الله يثير الأسئلة في معرضه الجديد

برليناله 2026: حين تختبر السينما قدرتها على قول الحقيقة

بروتريه: لـطــيـف العـانـي.. جمال العراق الخفي

الكاتبة (آنا هوب): رواية "ميراثنا"..احداث تجري خلف الأبواب المغلقة

قوة العمر و المدوّنة الجمالية

مقالات ذات صلة

ذاكرة ثقافية..جماعة
عام

ذاكرة ثقافية..جماعة "الواق واق" وجماعة "الوقت الضائع"

جمال العتّابي للجماعات الأدبية والفنية امتداد طويل في تاريخ العراق الثقافي والفني منذ تكوين الدولة العراقية وانفتاح الثقافة والفن على مصادر متنوعة من الأفكار والمفاهيم والتيارات الحديثة. اقترن ظهور العديد من الجمعيات والنوادي الثقافية...
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram