السليمانية / سوزان طاهر
عاد ملف رئاسة الجمهورية ليطفو مجدداً على سطح المشهد السياسي العراقي، في توقيت بالغ الحساسية تتقاطع فيه الحسابات الدستورية مع تعقيدات التوازنات السياسية، لا سيما داخل البيت الكردي؛ حيث تتصاعد التحذيرات من انعكاسات أي خلاف جديد على وحدة الموقف الكردي ودوره.
وبين تمسك الاتحاد الوطني الكردستاني بما يعده "استحقاقاً دستورياً وتاريخياً"، وتحركات سياسية توصف بأنها أوراق ضغط تفاوضية، يبدو أن المنصب السيادي بات مرة أخرى محور شد وجذب قد يتجاوز حدود الإقليم ليطال الاستقرار السياسي العام. وعقد المكتب السياسي للحزب الديمقراطي الكردستاني اجتماعاً رفيع المستوى برئاسة الرئيس مسعود بارزاني، وبحضور نائبي رئيس الحزب نيجيرفان بارزاني ومسرور بارزاني؛ لبحث الملفات السياسية الراهنة، وفي مقدمتها منصب رئيس جمهورية العراق. وقرر الحزب خلال الاجتماع تشكيل وفد تفاوضي رسمي؛ لبدء جولة من المباحثات مع الأطراف السياسية بشأن استحقاق منصب رئاسة الجمهورية.
ويأتي تحرك الحزب الديمقراطي الكردستاني في توقيت سياسي حساس، عقب انتخابات الدورة السادسة للبرلمان العراقي التي جرت نهاية عام 2025، وانتخاب هيئة رئاسة البرلمان الجديدة في 29 و30 كانون الأول الماضي؛ حيث تترقب الأوساط السياسية الخطوات الدستورية اللاحقة. وبحث زعيم الحزب الديمقراطي مسعود بارزاني مع رئيس مجلس القضاء الأعلى القاضي فائق زيدان، الأوضاع السياسية وخطوات العملية السياسية الراهنة في العراق، تزامناً مع المفاوضات الدائرة بشأن انتخاب رئيس الجمهورية وتشكيل الحكومة الجديدة بعد إجراء انتخابات الدورة السادسة لمجلس النواب في تشرين الأول 2025.
وذكر بيان مقتضب صادر عن مقر الرئيس بارزاني أن "اللقاء شهد تبادل الآراء بشأن الأوضاع السياسية في العراق، واستحقاقات الأطراف، وخطوات العملية السياسية في البلاد".
المنصب ليس حكراً
وفي هذا السياق، يؤكد عضو الحزب الديمقراطي الكردستاني شيرزاد حسين أن الحزب الديمقراطي ليس لديه طموح بالمنصب، بهدف تحقيق مكاسب معينة، وإنما يسعى لأن يكون اختيار مرشح الرئاسة شخصيةً متوافقاً عليها داخل البيت الكردي. وذكر خلال حديثه لـ "المدى" أنه "لا نريد نقل خلافات البيت الكردي إلى العاصمة بغداد، وداخل أروقة البرلمان، خاصة وأن المكون السني اختار رئيس البرلمان بتعقيدات أقل، والشيعة يستعدون لاختيار رئيس الوزراء أيضاً وفقاً لآليات محددة داخل الإطار التنسيقي". وأضاف أنه "نرفض إصرار الاتحاد الوطني على اختيار مرشح رئاسة الجمهورية داخل حزبه، دون مشاورة الأطراف الكردية الأخرى من الحزب الديمقراطي وباقي القوى؛ كون المنصب ليس حكراً على جهة محددة، والآلية التي طرحها الزعيم مسعود بارزاني هي الأفضل لاختيار مرشح الرئاسة". وخصص العرفُ السياسي في العراق منصبَ رئيس الجمهورية للكرد منذ سقوط نظام صدام حسين، بينما تذهب رئاستَا الحكومة والبرلمان إلى القوى الشيعية والسنية، ضمن صيغة محاصصة تكرس نفسها في كل دورة انتخابية.
وفي نهاية العام 2025، دعا الزعيم الكردي مسعود بارزاني إلى تغيير آلية انتخاب رئيس الجمهورية العراقي الذي هو من "حصة الكرد"، في حين قدم مقترحاً بهذا الصدد يقضي بتولي هذا المنصب مرشح تختاره الأطراف والكتل الكردستانية، وليس شرطاً أن يكون حكراً على الحزبين الرئيسيين في الإقليم (الحزب الديمقراطي الكردستاني، والاتحاد الوطني الكردستاني). من جهة أخرى، يرى القيادي في الاتحاد الوطني الكردستاني حسن آلي أن حزبه يريد اختيار مرشح رئاسة الجمهورية بالتوافق مع الأحزاب الكردية الأخرى. ولفت خلال حديثه لـ "المدى" إلى أنه "نريد دخول البرلمان بمرشح واحد، ونحن ضد التشتت والانقسام الكردي في بغداد؛ لأنه بالنهاية يضر بسمعة البيت الكردي، ويؤثر على إقليم كردستان، ويزيد من مشاكله". وأشار إلى أنه "داخل الاتحاد الوطني نرى بأن منصب الرئاسة هو من استحقاقنا، بسبب العرف السياسي داخل البيت الكردي، والذي تم الاتفاق عليه منذ عام 2005، بأن تكون رئاسة الإقليم للديمقراطي، ورئاسة الجمهورية للاتحاد الوطني، وما نريده هو أن نتفق مع الأحزاب الكردية للذهاب بمرشح واحد، وعدم تعطيل الاستحقاقات الدستورية". وأكد المرشد الأعلى للحركة الإسلامية الكردستانية عرفان علي عبد العزيز أن "الانقسام" داخل البيت الكردي بات عائقاً أساسياً أمام حسم القضايا المصيرية المتعلقة بحقوق الكرد في بغداد، محذراً من تداعيات هذا الخلاف على مستقبل الاستحقاقات الدستورية، ولا سيما منصب رئاسة الجمهورية.
آلية بارزاني
من جانب آخر، يشير الباحث في الشأن السياسي سالار عبد الكريم إلى أن الآلية التي طرحها رئيس الحزب الديمقراطي مسعود بارزاني هي الأفضل لحسم منصب رئاسة الجمهورية. وبين خلال حديثه لـ "المدى" أنه "نلاحظ بأن القوى السنية شكلت ما يعرف بالمجلس السياسي، ومن هذا المجلس انبثق مرشح رئاسة البرلمان، ووافقت عليه قوى الإطار التنسيقي، وأيضاً قوى الإطار الجامع لجميع الكتل الشيعية هي الجهة المعنية بتسمية رئيس الوزراء، فلماذا يكون منصب رئاسة الجمهورية حكراً على حزب معين؟". وتابع أنه "لذلك فإن القوى السياسية في بغداد، السنية والشيعية، ستنتظر مرشحاً توافقياً داخل البيت الكردي، مقبولاً في الحزبين الرئيسيين؛ كي لا يتم تجاوز استحقاق أي حزب، وخاصة الديمقراطي باعتباره يمتلك الأغلبية البرلمانية داخل البيت الكردي".









