باسكال بونيفاس
ترجمة : عدوية الهلالي
إن عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض ليست مجرد تحول كبير في السياسة الخارجية الأمريكية، بل هي شرارة ثورة استراتيجية هيكلية، وتغيير في النظام العالمي، ما يعني التشكيك الشامل في النظام الذي تم ارساؤه بعد الحرب العالمية الثانية.
لم يعد العالم الغربي كما عرفناه منذ نهاية الحرب العالمية الثانية موجودًا. ففي عام ١٩٤٦، ندد ونستون تشرشل علنًا بإقامة الستار الحديدي الذي قسم أوروبا إلى قسمين. وفي عام ١٩٤٧، أعلن هاري ترومان أن الولايات المتحدة تقود العالم الحر. وفي عام ١٩٤٩، تأسس حلف شمال الأطلسي (الناتو) ، أول تحالف توقعه الولايات المتحدة في زمن السلم، وفي العام التالي، تم منحه هيكلًا مدنيًا وعسكريًا دائمًا ومتكاملًا. كل هذا مزقه دونالد ترامب إربًا في غضون أيام. فمن بين تصريحاته المُجاملة، أعلن من البيت الأبيض في 26 شباط 2025: "لنكن صريحين، لقد صُمم الاتحاد الأوروبي للإضرار بالولايات المتحدة". وكان نائب الرئيس فانس قد خاطب الأوروبيين في مؤتمر الأمن في ميونيخ قبل ذلك بأيام، في 14 شباط، قائلاً: "لا تستطيع أمريكا أن تفعل شيئاً لكم، ولا تستطيعون أنتم أن تفعلوا شيئاً للشعب الأمريكي».
لقد نصت المادة الخامسة من معاهدة شمال الأطلسي على التزام الدول الأعضاء المتبادل في حال تعرض أي منها لعدوان عسكري "في أوروبا أو أمريكا الشمالية". وفي مقابل هذه الحماية (التي لا تُقدم مجاناً)، تمتعت الولايات المتحدة بنفوذ قوي وواسع النطاق على الدول الأوروبية.
ففي عهد ديغول، قررت فرنسا، العضو في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، تولي زمام أمنها، وبالتالي انتهاج دبلوماسية مستقلة. كما مكّن امتلاك روسيا للأسلحة النووية من الانسحاب من القيادة العسكرية الموحدة لحلف الناتو.لاحقاً، عُوملت روسيا على أنها الخاسر في الحرب الباردة، لا كشريك في إمكانية إرساء نظام عالمي جديد. وعرقلت الولايات المتحدة باستمرار جهود برلين وباريس وبعض الدول الأوروبية الأخرى لتطوير علاقة وثيقة للغاية مع موسكو. وقد ساعدها في ذلك الدول الأوروبية ذات النزعة الأطلسية المتطرفة (المملكة المتحدة، هولندا، الدنمارك، إلخ)، والوافدون الجدد من دول البلطيق وبولندا.
سيستمر حلف الناتو في الوجود، لكنه أشبه بنجم ميت. لا يمكن لأحد أن يجزم بأن الولايات المتحدة ستُقدم العون للأوروبيين عند الحاجة ،فقد توقف ما كان يُشكل جوهر المنظمة عن النبض.ولم تعد الولايات المتحدة حامية للأوروبيين فحسب، بل قد تتحول إلى مُفترس لهم ، إذ يُعتبر دونالد ترامب الاتحاد الأوروبي عدوًا أُنشئ "للإيقاع" بالولايات المتحدة. وهو يُهدد بشكل مباشر بانتهاك السلامة الإقليمية لعضوين مؤسسين: كندا والدنمارك، ويطمع في غرينلاند حيث يُدير حملة نفوذ بين سكانها - وهو تدخل واضح.
بالنسبة له، يُمثل الحلف مصدرًا لالتزامات مُرهقة وغير ضرورية، بينما تُعد الاتفاقيات الثنائية، التي يتم التفاوض عليها على أساس مُخصص، أكثر فائدة للولايات المتحدة، التي يُمكنها فرض إرادتها بسهولة أكبر.فبعد أن وعد بحلّ الحرب في أوكرانيا خلال 24 ساعة، ضغط على فولوديمير زيلينسكي، المحروم من كل الدعم الأمريكي، لقبول اتفاقٍ توسطت فيه موسكو وواشنطن على حسابه وحساب الأوروبيين. ولم يقم باستشارة الحلفاء الأوروبيون بشأن الخطوات اللاحقة..لقد كان موقف دونالد ترامب من أوكرانيا مزيجًا من الواقعية واللامبالاة. وكان الخطأ الجوهري للأوروبيين في هذه القضية هو فشلهم في تحديد أهدافهم الحربية.علاوة على ذلك، فإن موقف الدول الغربية من حرب غزة قوّض التزامها المزعوم باحترام القانون الدولي والقانون الإنسان واهتزت الثقة في مصداقية الضمان الأمريكي خلال ولاية دونالد ترامب الأولى - إذ وصف إيمانويل ماكرون حلف الناتو بـ"الموت الدماغي" في نوفمبر 2019 - ثم مع كارثة كابول في آب 2021 عندما انسحبت الولايات المتحدة من أفغانستان في ظل حالة طوارئ وفوضى.
من الواضح ان دونالد ترامب يريد أن يتحدى النظام العالمي برمته، وهذا له تداعيات على مفهوم "الأسرة الغربية". بالنسبة له، القانون الدولي قيد غير شرعي يعيق ممارسة القوة الأمريكية بحرية فهو يريد تفكيك البناء البطيء والمعقد لعالم يحكمه القانون - صحيح أنه لا يزال غير كامل، ولكنه مع ذلك أفضل من عالم ما قبل الحرب العالمية الثانية، حيث لم يكن يهم سوى توازن القوى. لم تعد الأمم المتحدة، والمنظمات الدولية، والتعددية، والقانون الدولي، وكل ما شكل عقيدة الغربيين (حتى وإن لم يحترموها تمامًا في الواقع) ذات أهمية إذ يريد دونالد ترامب أن يكون بمنأى عن المساءلة.
وفي مواجهة هذا التخلي الأمريكي، كان بإمكان الأوروبيين اختيار التخلص من تبعيتهم وبناء مستقبل مستدام. لكن يبدو أنهم غير راغبين في ذلك، فقد رسخت التبعية في نفوسهم. والأهم من ذلك، كان بإمكانهم تمييز أنفسهم عن دونالد ترامب على مستوى القيم: فتشكيكه المستمر في القانون الدولي، وهجماته المتواصلة على الأمم المتحدة والنظام متعدد الأطراف، وكراهيته للمنظمات الدولية، ووحشية سلوكه، وفظاظة تصريحاته، وازدرائه الصريح لجميع الحضارات والأمم الأخرى، وإيمانه المطلق بالقوة الصلبة ورفضه للقوة الناعمة، كلها تتعارض تمامًا مع مبادئ الاتحاد الأوروبي المعلنة. وقد كان بإمكان الاتحاد الأوروبي استغلال هذا الموقف، لا سيما فيما يتعلق بدول ما يُسمى "الجنوب العالمي"، من خلال تمييز نفسه عن الولايات المتحدة. لكن المشكلة تكمن في أنه، بفعل ذلك، لم يُبرز إلا تناقضاته، خاصة فيما يتعلق بالوضع الراهن في غزة وموقفه من إسرائيل. بدأت تلك الدول تُصدر احتجاجات خفيفة بعد بضعة أشهر من القصف الذي استهدف المدنيين على وجه الخصوص، بل ولجأت الدول لاحقًا إلى إدانات لفظية، دون أن تفرض أي عقوبات، مُظهرةً قبل كل شيء عجزها، الذي لا يُمكن تفسيره إلا على أنه تواطؤ. وهذا يُشكك في مصداقيتها الاستراتيجية والأخلاقية.
لقد قوبلت الحجج الأخلاقية التي استخدمتها القوى الغربية لتبرير دعواتها لفرض عقوبات بالتشكيك، وتعزز هذا التشكيك بتقاعسها عن معالجة القضية الفلسطينية قبل 7 تشرين الأول 2023، الأمر الذي أعقبه غضبٌ عارم. فبينما يُعدّ الاستيلاء على الأراضي بالقوة وقصف المدنيين أمرًا غير مقبولٍ بتاتًا، فلماذا تُفرض الولايات المتحدة عقوبات في حالةٍ ما.وتُزوّد بالأسلحة في حالةٍ أخرى؟
وفي الوقت الذي تقاوم فيه الصين والهند والبرازيل والمكسيك وجنوب إفريقيا وغيرها الكثير الهيمنة الأمريكية، تستسلم لها الدول الأوروبية، التي يسيطر عليها الخوف من روسيا. ويتضاءل النفوذ الأمريكي بشكل كبير في الجنوب العالمي، بينما يتعزز في أوروبا. ويعاني الاتحاد الأوروبي من غفلة استراتيجية. ومن المرجح أن تكون الصحوة قاسية..










