محمد الربيعي*
كلما ترددت كلمة «التفاهة» في النقاشات العربية أتذكر ما كتبته قبل سنيين حين انتشرت هذه المفردة في المخيال الجمعي بعد صدور الترجمة العربية لكتاب الفيلسوف الكندي ألان دونو الذي حمل في الأصل عنوان: «الميديوكراسي: سياسة الوسط المتطرف»، لكنه ظهر في المكتبات العربية تحت اسم مثير هو «نظام التفاهة». هذه الترجمة المجحفة أطلقت موجة من التعليقات والكتابات، وأشعلت حمى المعلقين في وسائل الاتصال، لأنها بدت وكأنها تعكس بدقة واقعا سياسيا واجتماعيا يثير امتعاض المواطن والمثقف العربي على حد سواء. غير أن قوة المصطلح المترجم أخفت ظلما كبيرا وقع على الكتاب نفسه، إذ خلقت فجوة هائلة بين المعنى الفلسفي الأصلي وبين ما تداوله الناس في أحاديثهم اليومية.
المفهوم الذي أراده دونو يقوم على نحت لغوي يجمع بين كلمة Mediocre أي "المتوسط" أو "العادي"، وكلمة Cracy أي "حكم"، ليصبح المعنى "حكم الوسطية" أو "سيادة الأداء العادي". دونو لم يكن يتحدث عن السخافة أو الحقارة كما أوحت كلمة "تفاهة" في العربية، بل عن نظام يكافئ الذين لا يتميزون، الذين يكتفون بأنصاف الحلول، والذين يفتقرون إلى الرؤية الجذرية، وذلك لضمان استمرار الماكينة الاقتصادية والسياسية في الدوران. لكن الترجمة إلى "التفاهة" جعلت المخيال العربي يربط الكتاب بانحطاط الأخلاق وانتشار السخف، فتحول المصطلح "ميديوكراسي" إلى شتيمة اجتماعية أكثر منه أداة نقد سياسي واقتصادي.
لقد أدى هذا الالتباس إلى رفض فكرة الكتاب في الاختلاف ونصفه بالتفاهة، وأن نرفض التطور ونلحقه بالتفاهة، وأن نوظف المصطلح كسلاح بيد المحافظين لمهاجمة الحداثة، بينما الكتاب الأصلي كان يهاجم الرأسمالية التي تقتل الإبداع وتحوله إلى مجرد أداء وظيفي متوسط. ومن هنا يمكن القول إن رجم العصر بصفة "التفاهة" ينبع في جزء كبير منه من سوء فهم ناتج عن ترجمة خاطئة لعنوان كتاب دونو، فالمصطلح الأصلي لا يعني السخافة اللغوية التي نلوكها اليوم، بل يعني حكم الوسطية وسيادة الأداء العادي.
وما يزيد الأمر وضوحا أن مصطلح "التفاهة" بهذا الاستخدام لا وجود له في الأدبيات الفلسفية أو السياسية العالمية، ولم يطرح كإطار نقدي مستقل في أي مدرسة فكرية. إنما هو محتوى حديث نشأ في فضائنا الثقافي بعد انتشار الترجمة العربية، حيث جرى نسبه إلى دونو وكأنه هو من صاغه، بينما الحقيقة أن كتابه لم يتحدث عن "التفاهة" بهذا المعنى إطلاقا. لقد تحولت الكلمة إلى شعار إعلامي واجتماعي يكتسب حياة مستقلة في المخيال الشعبي، بعيدا عن الأصل الفلسفي الذي أراده المؤلف.
لقد سمم هذا الخطأ مخيالنا الشعبي، فأصبحنا ننعت كل ما يخرج عن المألوف أو كل تطور معرفي متسارع بالتفاهة، في حين أننا في الحقيقة نعيش زمن انفجار المعرفة وتفكيك القوالب القديمة، زمن نهاية الوصاية وبداية تسيد العقل النقدي الذي يرفض الحلول الوسطى. نحن أمام لحظة تاريخية فارقة، حيث لم يعد الإنسان محكوما بحدود ضيقة للمعلومة أو أسيرا لسلطة المفسر الواحد، بل أصبح يعيش في فضاء مفتوح تتدفق فيه البيانات والاكتشافات والابتكارات بوتيرة مذهلة. هذا الانفجار المعرفي لا يقتصر على العلوم الدقيقة أو التكنولوجيا وحدها، بل يمتد إلى الفلسفة والفنون والعلوم الإنسانية، حيث تتقاطع الرؤى وتتلاقى التجارب لتنتج معرفة أكثر ثراء وتنوعا.
لقد تحولت البشرية إلى مجتمع عالمي متشابك، يستطيع فيه الفرد أن يصل إلى مكتبات العالم بضغطة زر، وأن يتابع أحدث الأبحاث العلمية في لحظتها، وأن يشارك في النقاشات الكبرى حول مستقبل الكوكب دون أن يغادر مكانه. هذه القدرة الهائلة على الوصول إلى المعرفة وتداولها تمثل ثورة حقيقية ضد هيمنة التفاهة، لأنها تضع الإنسان أمام مسؤولية التفكير النقدي والاختيار الواعي، وتحرره من الاستسلام للسطحية أو الانقياد وراء الشعارات الفارغة.
إننا لا نعيش عصر التافهين كما توهمنا الترجمة الخاطئة، بل عصر الانبهار بالقدرة الإنسانية على تجاوز الحدود، عصر تتساقط فيه القوالب الجامدة التي كبلت الفكر لعقود، ويفتح فيه المجال أمام الإبداع الفردي والجماعي ليعيد صياغة معنى التقدم. فالمعرفة اليوم لم تعد امتيازا نخبويا، بل أصبحت حقا مشاعا، وهذا بحد ذاته يقوض أي محاولة لفرض "نظام التفاهة" على العقول. إن ما نشهده هو ولادة جديدة للعقل النقدي، عقل يرفض الحلول الوسطى ويصر على الذهاب إلى الجذور، عقل يضع الإنسان في مواجهة ذاته وفي مواجهة العالم، ليعيد اكتشاف إمكاناته بلا خوف ولا وصاية.
وإذا أردنا أن نفهم محتوى الكتاب بعيدا عن هذا التشويش فعلينا أن نتجنب مقدمة المترجمة التي امتدت على 68 صفحة من أصل 244، وأن نستبدل كلمة "التفاهة" بالميديوكراسي، وهو تعبير حديث يشير إلى ضعف الجودة أو إلى حالة متواضعة من الأداء، ويصف الشخص الذي لا يمتلك القدرة الخاصة على إنجاز شيء جيد. وللتوضيح، يمكن أن نقول عن فنان يظن نفسه لامعا إن زملاءه مجرد "مديوكرات"، أي مبتدئون بلا تميز. كما يجب التفريق بين "الميديوكراسي" و"الميدياكراسي" التي تعني نظاما سياسيا تحتفظ فيه وسائل الإعلام بالسلطة.
بهذا يصبح الكتاب دعوة إلى قراءة نقدية لواقعنا، لا إلى الاكتفاء بوصم كل شيء بالتفاهة، لأننا لا نعيش عصر التافهين كما شاع، بل عصر البحث عن معنى جديد يتجاوز الوسطية المبتذلة ويستعيد للعقل النقدي مكانته. ولسنا أسرى "نظام التفاهة" كما أوهمتنا الترجمة، بل أبناء زمن تتفجر فيه المعرفة كينابيع لا تنضب، زمن يذوب فيه الجدار بين الإنسان والعالم، وتشرق فيه العقول بجرأة السؤال وحرية النقد. إننا نعيش عصر الضوء لا عصر الظلال، عصر البحث عن المعنى لا عصر الفراغ، عصرٌ يفتح أبوابه للعقل كي يكتب قصيدته الكبرى في كتاب الإنسانية.
* بروفسور متمرس ومستشار دولي، جامعة دبلن










