شاكر الأنباري
يقول الدكتور خالد السلطاني في كتابه هذا: " أجد في العمارة الإسلامية في بلاد ما وراء النهر، نوعاً من تقديم جانب معرفي آخر لما اجترحته، شغفاً كبيراً، ومنحتها وقتاً، ولهذا فقد شغفت بها طويلاً، على الرغم من أنها لم تحظ، كما أشرت، باهتمام الدارسين والمؤلفين العرب. لقد حرصت على أن أتعاطى معها كموضوع مهم يدلل على تنويعات منتج العمارة الإسلامية، ويتسم بقدر كبير من الاجتهاد التصميمي والقيمة الجمالية العالية". إن قراءة ما يكتبه المعماري العراقي خالد السلطاني يدخل في باب المعرفة، والدقة، والاحتراف الهندسي، إذ عادة ما يقدم في تحليلاته الاحترافية للأبنية والحواضر القديمة، أو المعاصرة، نبذة تاريخية عن الهياكل المعمارية وعلاقتها بحقبة بنائها، وتأثير البيئة المكانية وما لتلك الأوابد من تأثيرات على الفرد. فيخرج القارئ بحصيلة معرفية لا تعتمد التخصص المهني فقط، بل تقرّب المادة المعروضة إلى أذهان قرائه حتى لو كانوا غير متخصصين بالعمارة وتفاصيلها.
كتابه "العمارة الإسلامية في بلاد ما وراء النهر" يصب في المجرى ذاته، فهو يناقش الضرورة التي دفعته للخوض في موضوع بعيد بعض الشيء عن اهتمام القارئ العربي المعاصر، لكنه يؤكد على هوية ما يتناوله وانتسابه إلى تراث العمارة الإسلامية التي امتدت منذ الحقبة الأموية لتنتشر لاحقاً إلى الأندلس، والمغرب، ومصر، وبغداد، وبلاد فارس، ثم وصولاً إلى أذربيجان وأوزبكستان وكل المنطقة الواقعة بين نهري جيحون وسيحون، ثم العالم المغولي برمته. وقد ساعدت الباحث دراسته في الإتحاد السوفيتي سابقاً، خلال عقد السبعينيات، في الوصول إلى تلك الأصقاع وملاحظة القلاع القديمة، والمراقد، والخانات، والجوامع، والمدارس التي بقيت صامدة منذ أكثر من ألف سنة. والمعروف أن تلك الأقاليم تتضمن مدناً عديدة، لعبت دوراً مهماً في المسار التاريخي والاقتصادي والعسكري لبلاد ما وراء النهر. وقد توقف عند ثلاث مدن رئيسية منها، جاءت كنموذج يمكن بواسطته تبيان موضوعة الكتاب، بصورة واضحة وشاملة. هذه المدن هي سمرقند وبخارى وخيوة.
لقد مر الكاتب بعجالة على الأحوال الجغرافية لهذه البلاد، ثم أشار إلى الأحداث التاريخية التي شهدتها أقاليم ما وراء النهر قبل الفتح الاسلامي. والظواهر الجغرافية في بلاد ما وراء النهر، هي وجود يؤخذ بالحسبان عند تثبيت حدود وتخطيط المدن في تلك الأقاليم. كان المخطط المثالي لتلك المناطق يتمثل في شكل مستطيل، بأربع بوابات تتقاطع محاورها في مركز، ومثل هذا الأسلوب التخطيطي يتم أثناء تأسيس هذه المدن ويتم تحديد شوارعها في وقت واحد. وعندما يتطلب الأمر أن تكون المدن ذات صبغة دفاعية، كان يختار لها موقعاً قريباً من ضفة النهر، أو عند قمة هضبة أو نجد أو عند منحدر قائم. وفي مثل هذه الحالات تكون حدود أسوار تلك المدن قصيرة نسبياً، ويتم تقليل عدد مداخل هذه المدن، ونادراً ما تكون تلك المدن مجهزة بأكثر من أربع بوابات، ويكتفى في المدن الصغيرة ببوابة واحدة. ما يثير حقاُ، وما يتعين الإقرار به من منتج ثقافي مرموق في ذلك الزمن الذي يتحدث عنه الكاتب، المستوى الرفيع الذي بلغته الفنون التطبيقية، وخصوصاً اللوحات الجدارية الملونة الكبيرة التي كانت ترسم على جدران بعض بيوت النخبة، والمنمنمات باذخة الجمال والروحانية. ويعد بلوغ الفنون الجدارية هذا المستوى الجمالي العالي، جراء الارتباط الوثيق مع التقاليد الفنية الصينية، ذات االمستوى الرفيع والمزدهر وتأثيراتها العميقة في حضارة وثقافة تلك الأقاليم الواقعة فيما يعرف لاحقاً ببلاد ما وراء النهر.
ذلك السياق يراه السلطاني عادياً ومنطقياً أيضاُ، نظراً لما شهدته هذه المدن من ترابط ثقافي وتبادل حضاري عميقين، جراء حركة التجارة النشطة، التي شهدتها تلك الحقبة، والتأثيرات الناجمة عن الرحلات المستمرة التي قام بها التجار إلى بلدان كثيرة متاخمة حاملين معهم، عند رجوعهم، جديد نجاحات تلك الأمم، وقيم وأساليب ثقافاتها. كل ذلك أسفر عن حضور طاغ لانتشار أشكال المؤثرات الفنية، وخاصة في حقل الفنون التطبيقية وتوظيفها في المنتج المعماري هناك. كانت مدن بلاد ما وراء النهر محاطة بسور، توجد فيه بوابات، وقد حفر أمام السور أو الحصن خارج أسوار المدينة، أو القلعة خنادق عادة ما تملأ بالمياه. وتوجد في الشهرستان "المدينة"، في الغالب الأعم، مؤسسات الحكم المتعددة الوظائف، بالإضافة إلى الأحياء السكنية، وحوانيت الحرفيين وورشهم، وأحياناً الفسحات الخاصة بالغرباء. ويتخذ الشهرستان شكلاً هندسياً منتظماً، يخترقه شارع تجاري رئيسي، وثمة أحياء متعددة. ويسكن، بوجه عام، أفراد ينتمون إلى مهن وحرف متشابهة في حي واحد، خاص بهم. وفيما يخص المداخلات الإنشائية التي حملها العرب المسلمون إلى تلك المناطق، يبقى الطين المشوي "الطابوق" من أهم المواد المدخلة حديثاً إلى فن العمارة. ولم تستخدم هذه المادة كثيراً في عمارة تلك المناطق قبل الاسلام. فاستخدام الآجر بأنواعه المختلفة وبمقاساته المتنوعة، ضمن الإضافات البارزة التي أرساها المسلمون في الثقافة البنائية لبلاد ما وراء النهر.
وأدى انتشار اللغة العربية في بلاد ما وراء النهر إلى تأثيرات كبيرة على تنوع أساليب الزخرفة والتزيينات التي كانت جزءاً لا يتجزأ من الممارسة المعمارية. فبالإضافة الى الزخرفة ذات التشكيلات الهندسية، أبانت الزخرفة الكتابية عن حضورها القوي في هذا الحقل التزييني. واستخدمت الزخرفة الكتابية لأجل إظهار أفكار ومغزى المبنى ومحتواه، وطبعاً وظف هذا النوع من الزخرفة بهدف إعطاء معلومات توثيقية وتسجيلية عن تاريخ المبنى، واسم بانيه، ولكن بأسلوب فني أضاف الكثير إلى جمالية المبنى. ويُعد ظهور مبنى حدثاً هاماً في المشهد المعماري لبلاد ما وراء النهر، ولعموم منتج العمارة الإسلامية. فهو مسار جديد في العمارة، تبناه معماريو بلاد ما وراء النهر وعمالهم الحرفيون المهرة، الذين أحرزوا نجاحات كبرى أضافوها الى تنويعات ذلك المنتج الثرّ. على سبيل المثال، هناك مسجد بولو حوض، قلعة الأرك، كونيا آرك، مسجد خيوه الكبير، مدرسة قطلوغ مراد، وشواخص معمارية أخرى تنتثر في سمرقند وخيوى وبخارى تناولها الباحث بدقة وتفحص. ويعدّ بزوغ "خان رباط الملك" في بيئة بخارى المبنية، مع نماذج آخرى، تمثيلاً واقعياً وأميناً لأهم ما أنتجته العمارة الإسلامية، وعدّ من كنوز العمارة العالمية. ومن ضمن مفردات المجمع المعماري التاريخية، تتميز منارة كاليان المبنية في العام 1127 بحضور فاعل وطاغ. سبب هذا الحضور الخاص والاستثنائي في أهميته الحضرية الذي يتمتع به هذا الأثر المعماري، هو مقدار علو المنارة الشاهق والفريد وخصوصية سماته التصميمية والإنشائية. منارة كاليان ارتبط وجودها دوماً بمبنى المسجد الجامع لمدينة بخارى، وكان المسجد الجامع مميزاً بتلك المنارة، وتمتلك شرفتها في قمتها ثماني نوافذ بعقود مدببة، والأخيرة أكثر امتداداً من شرفة منارة كاليان، بيد أنها تتبع أسلوب تراتبية العناصر المشكلة لهذه القمة. فعند الشريط العلوي الأخير المزين بنجوم آجرية قاعدتها ملونة وتخومها بارزة، نشاهد، أيضاً، شريطاً من البلاطات الملونة بلون أخضر وسمائي، يلي ذلك أشرطة لطبقات من المقرنصات المتصاعدة، ثم رواق الأعمدة، يعلوه صفوف متصاعدة من المقرنصات تشكل نهايات المنارة.
ويلاحظ في مجمل الكتاب أن الدكتور خالد السلطاني يعير انتباهاً فائقاً لتفاصيل العمائر من تخاريم وأشكال تزينية وخطوط طالما دخلت في العمارة الإسلامية، إضافة إلى اللوحات الفنية التي كانت تزين الجدران والقباب والبوابات الخارجية. وقد زوّد كتابه بتخطيطات أنجزها خلال زياراته الميدانية لتلك العمارات والقلاع والمساجد، لهذا يحس القارئ، من خلال شرحه، كما لو أنه يرى تلك النماذج المأخوذة كشواهد رؤية العين، مما أعطى لتحليله المعماري مصداقية معرفية، وتاريخية، لا غنى عنها للمشتغلين بفن العمارة، هندسة ونقداً وتحليلاً جمالياً.
ارتباط المكان بالهوية الحضارية
"العمارة الإسلامية في بلاد ما وراء النهر" للدكتور خالد السلطاني:

نشر في: 7 يناير, 2026: 12:02 ص








