TOP

جريدة المدى > عام > سبعةُ أبوابٍ لحياتنا

سبعةُ أبوابٍ لحياتنا

نشر في: 7 يناير, 2026: 12:03 ص

لطفيّة الدليمي
منذ البدء أعترفُ بوضوح: الرقم (سبعة) خيارٌ كيفيّ وشخصيّ، ليس متّصلاً بقاعدة صوفيّة كونية ولا بُنْيَة سرّية رياضياتية للعالَم . إنه صدى ثقافة مطعّمة بنبرة اللاهوت الجمعي والأسطرة الحكائية التي رفعَتْ من شأن هذا الرقم حتى صار ظِلّاً يطفو على رغوة النصوص والأساطير والطقوس. لستُ أرى غضاضة في أن نستعير من هذه الرمزية سُلّماً مؤقتّاً، نرتّبُ به فوضانا، ونقيسُ به المسافة بين ما نرجو وما نعيش. لستُ في مسعى حصر الوجود في أنطقة ضيّقة، بل تعنيني الإشارةُ والتقاطُ الخيوط التي تتبعثر في نهاراتنا وليالينا. تلك الخيوط سأسمّيها أبواباً، ولك أن تسمّيها ماشئت.
أوّلُ الأبواب: باب الوعد. من لا يملك وعداً ينام في العراء حتى لو كان سقفُهُ من الإسمنت المسلّح. باب الوعد هو الباب الأسخى وعوداً، يطلّ على حدائقنا المتخيّلة وأحلامنا التي نتعلّم الإفصاح عنها بصوت خفيض كي لا نُفسِدَ سحرها. عند هذا الباب نكتشف أنّ الأمل ليس خرافة ولا طقس تنويم جماعيّ، بل طريقة في هندسة المستقبل: أن نُبقِي نافذة مفتوحة لغدٍ يمكنُ أن يختلف، ولو قليلاً، عن اليوم. نقرعُ هذا الباب بعناد الأطفال، نعدّلُ وضع القفل بيد، ونحمل في اليد الأخرى مفاتيح متخيّلة: مهارة جديدة، علاقة طيبة، مشروع صغير، خطة شفّافة لتقليل الخسائر وزيادة فرص النجاة. في زمن التهكّم السهل يظلّ باب الوعد فعل مقاومة: أن تقول لنفسك إنّ الإحصاءات التي تقصفُ عقولنا كلّ آن ليست نبوءات محتّمة، وإنّ قصص النجاح ليست كلّها أحداثاً صدفوية. من دون هذا الباب نصبحُ أسرى ما حصل، ونستقيلُ طواعيّة من حقّنا في اقتراح ما ينبغي أن يحصل.
ثاني الأبواب: باب الأحزان. لا يخدعنّك لمعانُ التوصيفات؛ فالأبواب ليست كلها للعبور نحو سعادة منتظرة. بعضُها مسالك اضطرارية، وبعضها غرف انتظار طويلة في أجواء باردة. باب الأحزان من النوع الثاني: نحاول إغلاقه كلّ ليلة، ونجد أنفسنا أمامه في الصباح. ينفتح علينا لا بنا، يذكّرُنا بذاكرة أثقل من قدرة أكتافنا على المطاولة: وجوه رحلت، مُدُن تبدّلت، حروب لم ننتصر فيها أو انتصرنا وبقينا مهزومين في الداخل. هنا نتعلّم الحذر من لغة البطولات، ونتدرّبُ على أعمال صغرى تنقذُنا من الإنهيار: سقاية نبتة في شرفة مهجورة، تدوينُ جملةٍ تُضيء مسافة قصيرة في قلب معتم. ليس في الأحزان فضيلةٌ بذاتها؛ لكنّها تُعرّفُنا بحدودنا، وتُعرّي هوَسَنا بالسيطرة، وتترك فينا أخدوداً يصبح، مع الزمن، وسيلتنا لرؤية جديدة في الحياة. بمعونة هذا الباب نفهمُ أنّ القوّة ليست زعيقاً ينبئ بقوة موهومة، بل قدرةٌ على الوقوف ثانيةً، ولو على قدمٍ واحدة.
ثالث الأبواب: باب البهجة. البهجة ليست نقيض الألم. إنّها طريقةٌ في ترويضه، وترياقٌ يخفّفُ سُمّيته المميتة. باب البهجة مُشمِسٌ مُشرَعٌ على شقاوات طفولتنا، على تلك البراءة التي لم تكن جَهالة بل ثقة بأنّ العالم يستحق فرصة مهما تكشّف عن صغائر ونذالات البشر. إنّها الضحكةُ التي تنفلِتُ في مطبخ، واللحنُ الذي يلمع وسط زحام، وكوبُ الشاي المُخَدّر والمُطعّم بالهيل، الذي لا نستعجلُ تحضيره فتزداد لذّتُهُ. في هذا الباب لا نُنكرُ ما يؤلمُنا، ولا نضع مساحيق على وجوهنا. كلُّ ما في الأمر أنّنا نسمح للنور في أن يجد ثغرة، أن يتسلّل عبر جروحنا النفسية إلى أرواحنا كما تقول أغنية ذائعة. نتعلّم فنّ البداهة الأنيقة والكياسة الرفيعة: أن نقول صباح الخير ونقصدها، أن نعتذر بسرعة، أن نكفّ عن مقارنة أفراحنا الصغيرة بأفراح الآخرين. البهجة إقتصاد سخيّ. هل جرّبتم ذلك: قليلٌ منها يكفي لدفع أيام كثيرة إلى الأمام من غير شحن إضافي مُكْلِفٍ لبطاريات حياتنا.
رابع الأبواب: باب الخبرة. الخبرة ليست تجعيدة إضافية في الوجه. إنّها نتاجُ اشتباك خلّاق بين الذاكرة والجسد. في هذا الباب نتحرّر تدريجيّاً من هوس إثبات الذات، ونستبدلُ صخب الإنجاز بفنّ الاستمرارية الهادئة الوقورة. نُحسنُ اختيار المعارك الصراعية التي لا مفرّ منها لكلّ كائن حيّ، ونعيدُ تكييفها: نتراجع حين يلزم من غير خسائر عميقة في الروح، نُغلّبُ الرضا على العناد، ونكتشفُ أنّ الزهد ليس انطفاءً بل إعادة توجيه لطاقتنا الروحية بما يضمنُ عدم استهلاكها العبثي في صراعات موهومة. نُمسك بيد من نحبُّ بوعيٍ كامل، وننأى بأنفسنا عن القساة والموهومين والفقاعات البشرية التي تُحدِثُ ضجيجاً ولا تُتركُ أثراً طيّباً. الخبرة مدرسة في الإدارة: إدارة الطاقة البشرية، إدارة الحلم القصي، إدارة الخيبة المتوقّعة. هي كذلك درسٌ في الأخلاق المتقدّمة والعملية معاً: أن تبقى خيّراً من دون أن تكون ساذجاً، وأن تبقى شجاعاً من دون أن تتورّط في بطولات مجّانية، وأن تبقى وفيّاً لنفسك حتى وأنت تُنقّح صورتها وتعدّلُ كينونتها بثبات كلّ يوم.
خامسُ الأبواب: باب الشك والمساءلة. من دون الشك يصير الإيمانُ كسلاً، والعقل موظفاً مطواعاً لرغبات لا تنفكّ تتبلّد كلّ يوم. هنا نتعلّمُ أنّ نسأل كي لا نستسلم لخطابات مُعلّبة، كي لا نصير قطع غيار في محرّكات الآيديولوجيا، كي لا نُغلق الباب على أنفسنا فنختنق بشعارات جميلة خاوية. الشكّ لا يطلب منا أن نهدم كلّ شيء بل أن نُفكّك ما يجب تفكيكُهُ كي نعيد بناء ما يستحقُّ البناء. إنّه تمرينٌ على النزاهة الفردية الصلبة: أن تعترف بخطئك حين تكتشفه، وأن تغيّر رأيك حين يظهر لك ما هو أحقّ، وأن تُنصت لمن يخالفك كأنّك تستمع إلى نسخةٍ منك لم تُجرّبها بعد. في هذا الباب، تُطَهَّرُ اللغةُ من الرغوة، وتُصبح الكلمات أدوات تفكير لا سِهام خصومة متلفّعة ببلاغة عالية الجناب. نخرجُ من هذا الباب ونحنُ أكثر طلاقة في الروح، وأكثر قدرة على التمييز بين ما نؤمن به حقّاً وما اعتدنا ترديده.
سادسُ الأبواب: باب المصادفة. كم مرةً خطّطنا بإتقانٍ لمستقبل واضح المعالم، فإذا بصدفةٍ صغيرة (مكالمة لم تُجَبْ، لقاء عابر من غير ترتيب، رسالة ألكترونية أرسِلت إلى عنوان خطأ في الزمن الخطأ «ربما الزمن الصحيح!!!»....) تعيد ترتيب حكاية حياتنا من أوّلها؟ المصادفة ليست ضديد الحرية، والقَدَرُ ليس خصماً لها. إنّهما السياج الذي نتحرّك داخله، والمساحة التي نتفاوض فيها مع ما هو أكبر منّا. نكسَبُ حرية حين نعرف حدودها، ونُحسنُ الإختيار حين نفهم أنّ الإختيار يجري على أرضٍ ليست ملكاً حصريّاً كاملاً لنا. هذا الباب يعلّمُنا الإمتنان لما حصل، والرِضا المعقلن بشأن ما لم يحصل، ويذكّرُنا بأنّ بطولة الإنسان ليست في امتلاك المستقبل، بل في الإستجابة الشجاعة لما يجيء من غير ترتيب قصدي أحياناً. بين ما في أيدينا وما ليس في أيدينا نمدّ خيمة العيش اليومية، نربطها بأوتاد الخبرة، ونشدّ حبالها بأملٍ معقول، وندخُلُها كلّ مساء كما يدخل الراعي حظيرته: مطمئنّاً لأنّه فعل ما يستطيع.
سابعُ الأبواب وآخرُها: باب الميتافيزيقا. هنا نضع سمّاعة القلب على صدر الوجود كما يفعل الطبيب مع المريض. لا تكفي الأسباب، ولا تُسعفُنا الجداولُ والرسوم البيانية في اختراق ضبابيّة الأسئلة التي تستعصي على الإجابات النهائية المقفلة: من أين بدأ هذا كلّه؟ لماذا هناك شيء بدلاً من لا شيء؟ ما معنى أن نكون كينونة واعية تطلّ من نافذة الجسد على مشهد كونيّ لا نعرف أين ينتهي؟ في هذا الباب، تصبح اللغة سبيلاً إلى منطقة يتعذّر الكلامُ فيها. نجرّبُ الدعاء باعتباره مخاطبةً مع قوة علوية فائقة، ونجرّبُ التأمّل باعتباره إصغاءً لما لا يُقال، ونجرّبُ الشِّعْرَ باعتباره ترجمةً لِما لا يُترجَم. قد نؤمن، وقد نشكّ، وقد نراوح بينهما على إيقاع الحياة اليومية المتلاطمة؛ لكنّنا نُدرك أن نبرةً ميتافيزيقية تنقذُ المعنى من تفسّخه المحتوم لأنّ الوقائع المجرّدة، مهما تراصّت، لا تُشبع جوع السؤال. إنّها نبرةٌ تُهذّب الخوف من الموت، وتفتح للموت نفسه باباً إلى المعنى: لعلّ النهاية ليست انقطاعاً وجودياً بل انتقالة من نوع ما، ولعلّ الغياب ليس عَدَماً بل شكلاً آخر للحضور. بهذا الباب يستقيم ايقاعُ العيش، وتنتظمُ سائر الأبواب في إيقاع هارموني موحّد أنيق يُشبه الإعتراف: نحن محدودون ومُحاطون بما يتجاوزُنا.
*****
كيف تتجاور الأبواب؟ هذه الأبواب لا تُفتَحُ بالتتابع الخطّي البسيط. قد تبدأ حياتك بباب الأحزان ثم تتعلّمُ الطرق على باب الوعد متأخراً، وقد تُساقُ إلى الميتافيزيقا في لحظة فرح لا في لحظة انكسار، وقد يُصلِحُ باب الشكّ ما أفسده بابُ الخبرة. الحياة دهليز طويل بأبواب كثيرة: نَمُرّ، نُخطئ الباب أحياناً، ننكص، نجرّب المقبض مرةً ثانية. هذه بعضُ معالم العيش الآدمي في خواصه العامّة التي تشملُ كلّ كائن بشري.
ما الذي يبقى من حكاية الأبواب؟ يبقى الإنسان، حارساً مرهقاً عند ممرّ تتناوب عليه الأبواب. كلما أغلق باباً تعلّم فتح باب آخر. كلما ضاقت عليه دنياه رأى في أحد الأبواب منقذاً له من التفجّع والإنهيار، وقد يصنع نسخةً جديدةً لباب لم يطرُقْ عليه من قبلُ.
هذه هي الأبواب السبعة لحياتنا كما أقترحُها اليوم. إن راق لك أن تغيّر لافتاتها أو مواقعها فلا تتأخّرْ في الفعل. المهمُّ أن يبقى البيت واسعاً لا تدفُنُه الظلمة، وأن تبقى يدك على المقبض، وأن لا تفقد شجاعتك في العبور؛ ففي كل عبور، مهما بدا بسيطاً أو بديهياً، تُكتَبُ سيرةٌ أخرى، ويتشكّل إنسانٌ أهدأ وأكثر عدلاً مع نفسه ومع العالم، وفي كل مرّةٍ تتلفّتُ خلفك وتقول: ها قد خرجتُ من هذا الباب، ستكتشفُ أنّك، في الحقيقة، دلفتَ باباً آخر. هكذا نتقدّم: بخطى متواضعة، وببصيرةٍ تزداد صفاءً، وبإيمانٍ رشيقٍ لا يخاف السؤال، وبأملٍ يُحسِنُ الإقتصاد في الضوء كي لا تنفد بطارية حياتنا قبل نهايتها الحتمية المحكومة بقوانين البيولوجيا الصارمة.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق عراقيون

الأكثر قراءة

موسيقى الاحد: موتسارت الاعجوبة

فكرة اقصاء الرأس في أعمال علي طالب

معماريةُ الخراب حين تصبح المدينة جسداً مأزوماً يفقد أطرافه

المرأة في أعمال الفنان ديلاكروا: تجاوز الصورة النمطية للجمال

عالم لورنس.. هنري ميللر يجمع بين النقد والتحليل والتأمل الأدبي

مقالات ذات صلة

سبعةُ أبوابٍ لحياتنا
عام

سبعةُ أبوابٍ لحياتنا

لطفيّة الدليمي منذ البدء أعترفُ بوضوح: الرقم (سبعة) خيارٌ كيفيّ وشخصيّ، ليس متّصلاً بقاعدة صوفيّة كونية ولا بُنْيَة سرّية رياضياتية للعالَم . إنه صدى ثقافة مطعّمة بنبرة اللاهوت الجمعي والأسطرة الحكائية التي رفعَتْ من...
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram