د. قتيبة ياسين العيساوي
تواجه الحركات التي نشأت في بيئات عسكرية أو عقائدية إشكالية جوهرية عند دخولها ميدان السياسة والإدارة العامة؛ إذ تصطدم بنيتها التنظيمية القائمة على الانضباط والطاعة بمنطق العمل المدني الذي يتطلب كفاءة تخصصية، ورؤية تخطيطية، وقدرة على التفاعل المؤسسي مع المجتمع والدولة. هذا التباين ينتج اضطرابًا واضحًا في إدارة المناصب التي تحصل عليها تلك الحركات ضمن منظومات الحكم، ويؤدي إلى تضخم تنظيمي غير منضبط، وتعيينات قائمة على الولاء، وتراجع في جودة الأداء التنفيذي، وتآكل في الصورة العامة للحركة أمام الرأي العام.
تُظهر تجارب بعض الحركات العراقية خلال العقد الأخير أن التمكين السياسي، حين لا يُدار وفق رؤية مؤسسية، يتحول إلى عبء تنظيمي. وقد مثّلت تجارب التوسع السريع لبعض الحركات مثالًا على ذلك، حيث أدى استيعاب عدد كبير من المنتسبين بدوافع نفعية، وغياب آليات الفرز والتقييم، إلى تحويل مواقع النفوذ إلى مراكز نفوذ شخصية غير قادرة على إنتاج أثر سياسي أو تنموي مستدام.
تقوم المعالجة الفاعلة لهذه الإشكالية على إعادة تعريف وظيفة المناصب المستحصلة من التمكين السياسي، وتحويلها من مواقع نفوذ فردي إلى وحدات إنتاج تنظيمي وفكري. ويتحقق ذلك من خلال اعتماد معايير موضوعية لاختيار الكوادر، ترتكز على الكفاءة التخصصية، والنزاهة الإدارية، والقدرة على تقديم خطط تطوير واقعية، إلى جانب الفاعلية التنظيمية المبنية على المشاركة السابقة في النشاطات الميدانية والخدمية. فالولاء، في هذا السياق، يأخذ طابعًا واعيًا يقوم على فهم مشروع الحركة، لا على التبعية الشخصية أو الارتباط الفصائلي.
لا يكتفي هذا النهج بإصلاح مدخلات الاختيار، بل يمتد إلى آليات التشغيل داخل المؤسسات الحكومية. إذ ينبغي أن تتحول كل دائرة أو موقع تنفيذي إلى مركز لإنتاج الكفاءات الشابة ومنصة لتعزيز حضور الحركة في المجتمع من خلال خدمات ملموسة وتقارير أداء منتظمة. ويصبح "الأثر التنظيمي" معيارًا أساسيًا لتقييم الأداء، لكونه يربط العمل الإداري بالهدف السياسي والتنظيمي الأشمل.
ولضمان استدامة هذا التحول، تبرز الحاجة إلى إنشاء وحدة مركزية تُعنى بـ"حوكمة التمكين السياسي"، تتولى تخطيط سياسة التمكين، وإدارة قاعدة بيانات للمناصب والكوادر، ورصد الأداء التنفيذي من خلال تقارير دورية تعتمد مؤشرات واضحة في الأبعاد التنظيمية والإدارية والسياسية. وتعد هذه الوحدة بمثابة الجسر بين العمل التنفيذي داخل الدولة والعمل التنظيمي داخل الحركة، بما يضمن انسجامًا في الرؤية ووضوحًا في معايير التقييم والمتابعة.
كما يمكن لهذه الوحدة أن تقود جهود تطوير الكوادر من خلال برامج تدريبية تخصصية في الإدارة العامة والسياسات، وأن تصدر مدونة سلوك تنظّم علاقة المسؤول الحكومي بالحركة وتضع قواعد للمهنية والنزاهة. ويُضاف إلى ذلك إنشاء آليات للحوافز والعقوبات، بما يعزز ثقافة المنجز ويحد من الترهل والولاءات الشخصية. ويُختتم هذا الإطار بإصدار تقرير سنوي شامل يوضح مستوى التمكين السياسي، ونوعية الكفاءات المشاركة، ومدى تحقق الأثر التنظيمي المطلوب.
إن التحول من إدارة النفوذ بمنطق الغنيمة إلى إدارته بمنطق المؤسسة والتنمية يمثل خطوة أساسية في إعادة بناء الشرعية السياسية للحركات ذات الجذور العسكرية وليس مجرد تحسين اداري على بنيتها التنظيمية. فحين يتحول الموقع التنفيذي إلى مصدر معرفة وكفاءة وتأثير، يتعمق حضور الحركة داخل الدولة بطريقة رشيدة، ويتعزز رصيدها في المجتمع باعتبارها فاعلًا سياسيًا قادرًا على إنتاج الخدمات والكوادر، لا مجرد قوة نفوذ عابرة. وبهذه المقاربة، يصبح التمكين السياسي فرصة لإعادة تشكيل الهوية التنظيمية للحركة وتحويلها إلى مؤسسة سياسية راسخة ذات أثر طويل المدى.










