علي الياسري
في زمن يبدو فيه الانسان أسير خوارزميات تحوله الى سلعة تكتنزها الرأسمالية كاستهلاك مفرط يتحرك من جوهر مادي الى مظاهر مبهرجة تعيش لحظتها الى اقصى حد دون ان تكون سوى كرة تتوارى في متوالية فقاعات العصر الحديث، يبدو فيلم (سكروجد) للمخرج ريتشارد دونر اقرب لظلامية حلم محموم ساخر منه الى ملهاة وعظية تبتهج بفعل الكريسماس. لا شيء من المرويات الكلاسيكية لقصة (ترنيمة عيد الميلاد) لتشارلز ديكنز ولا من برودة اجوائها ولا مناخها الفيكتوري سيستأثر بنا، بل تأثير صادم ولاذع. كوميديا سوداء قاتمة ومرعبة -في أحيان- تتحرك بين جنبات مدينة معاصرة كواجهة لدُجى تبدو لوهلة لا نهاية لها، تعززها اضاءة النيون الخاملة.
يقدم الفيلم رؤية اشبه بالنبوءة بالنسبة لزمن صدوره -1988- لواقع فوضى حياتنا المعاصرة في الالفية الثالثة. يتساوق الفيلم خصوصًا في ثلثه الأول مع وطأة ايقاعه الصاخب بعنف مُرَمَّز نتيجة فعل غريزة ما بعد حداثية تُطل من وجوه الدراما العميقة بأفكارها والرعب الصريح الذي يستقي نمطه من المنطق الثقافي للرأسمالية المتأخرة وبالذات لأشباحه. انه يواكب فرط الإثارة الحسية في الحياة الحديثة، حين يَغمُر التواصل العاطفي بين البشر سيل من الدعايات المجوفة والتهكم الساخر بابتذال والانفصال السريع للعلاقات نتيجة كثافة المستجدات والاهتمام على وقع زخم الالكترونات وعوالمها الافتراضية.
تتجاوز حكاية الفيلم الاقتباس المباشر لقصة ديكنز الى سياق الميتافكشن للتعبير عن قلق ما بعد الحداثة المرتبط بالبيئة المكانية والاطار الزمني للأحداث وطبيعة الشخصيات. ففي شوارع نيويورك وشاهق بناياتها تتجرد الأرواح من شعورها الفيكتوري الديكنزي لتخوض في صخب المادية الحديثة وفراغ الإفلاس الروحي نتيجة النزعات المتطرفة لجشع الاطماع المتوحشة للرأسمالية الاستهلاكية حيث التسويق الشامل لخلق التنميط الاجتماعي. فرانك كروس (بيل موراي) رئيس شبكة تلفزيونية يمتلئ بالطموح والقسوة المفرطة لتحقيق أفكاره ورؤيته للنجاح المهني حتى لو تطلب الامر سحق الاخرين والتنكيل بهم. مفارقة الفيلم تكمن في استخدام الحكاية الاصلية لترنيمة عيد الميلاد -قصة داخل قصة- كمدخل سردي الى احداثه التي ستجري على شخص كروس حين يلتقي عشية ليلة عيد الميلاد بالأشباح الثلاثة ليعيد النظر في داخل روحه ومسار حياته متحركًا بين الماضي والحاضر والمستقبل. يسعى كروس الى إعادة انتاج الحكاية في بث مباشر على قناته التلفزيونية وفق نظرة استهلاكية غرائزية متطرفة وعنيفة تنتزع المشاعر والفعل الإنساني الخَيّر لحساب الصدمة والجاذبية الحسية والاكشن المُفرط. وجهة نظر درامية تهكمية يعتمدها صُنّاع الفيلم تُشير الى المعضلات الأخلاقية لعالم الشركات المهيمنة على صناعة الترفيه والوعي، فلا شعور بالذنب ولا أباليه أخلاقية او معايير سلوكية سوى ما يجلب الربح المادي، فالمدير بإمكانه طرد موظفيه عشية ليلة عيد الميلاد ليغذي هوسه بتنمية نسب المشاهدة ولمجرد ان هناك رأيًا لا يعجبه. كروس هنا شرير مُتبلد يمتلئ بالفراغ العاطفي ولا يهمه ما يحتفل به الناس من شعور انساني وتكافل واستعادة لفعل آدمي بقدر ما يستحوذ عليه ما يجلبه تسويق الكريسماس من مكاسب.
واحدة من ابرز نقاط قوة الفيلم قدرة صانعيه على إعادة تشكيل اشباح القصة الديكنزية بما يناسب عصر الميديا وسطوة التلفزيون وتأثير الصورة المُصنَّعة، يُسْكَب فيها مصادر قوة تنهل من عصرنة طبيعتها فيغدو شبح الماضي سائق سيارة تكسي في مدينة نيويورك نزق يُدخن بشراهة ينقل فرانك الى طفولته حيث برامج التلفزيون سلوى خياله امام البرود العاطفي للاب، ولينظر ايضًا ما فعلته طموحاته في الشباب حين قضت على حب حقيقي. تتبلور شخصية شبح الحاضر بجِنيَّة يجمع سلوكها بين الفكاهة والحزم والسطوة في استقاء واضح من قوة الشخصية والاستقلالية والإرادة الثابتة وحتى الملامح والشكل لجِنيَّة رواية بيتر بان الشهيرة (تنكر بيل) التي تأخذه الى شقة سكرتيرته غريس فيشهد صعوبة اعالتها لعائلتها الكبيرة -وهو الرافض لزيادة اجرها- فتعوضهم بصدق المحبة والحنان فيما يدفعه صدمة صمت ابنها الصغير كالفن الى التفكير بمساعدتها. كانت مشاعره قد تزحزحت من صقيع لا اباليتها مع زيارة شقة أخيه جيمس الذي يفتقد حضوره ليلة عيد الميلاد. يتمثل وجه شبح المستقبل بشاشة تلفزيون تستعرض صور الموت المُنطَبِع على أرواح اهله وسلوك حبيبته وجسده، فتعكس إحساس الرعب والخواء الذي يغذي حياته المُقبلة. يُشكل هذا الاستعراض الصادم لنتائج خيارات فرانك الحياتية فرصة لكي يفهم واقعه الروحي والشعوري بما يدفعه لمحاولة اصلاح ما يقدر عليه قبل فوات الأوان.
يضع صانعوا الفيلم الكثير من الضخ العاطفي في النصف الثاني من الفيلم حيث تتنامى استعادة العلاقة العاطفية والحب المتواري بين كروس وكلير (كارين ألين) وهو امر يختلف عن واقع قصة ديكنز الذي لا يفسح الكثير من المساحة للحب القديم لسكروج سوى في ظهور محدود. هذا التعديل الذي اجراه كاتبا السيناريو مايكل اودانهيو وميتش غليزر كان بناء على طلب بيل موراي العائد للتمثيل وقتها بعد انقطاع اربع سنوات حيث سعى لتوسيع الحكاية الرومانسية فتغدو كلير هي سبيله وأمله الى استعادة روحه وعاطفته، وكذلك إعادة النظر في مشاهد العائلة فيعطي المساحة لشخصية الأخ الصغير المُفتقد لوجود الأخ الأكبر الذي نشأ على حبه وحمايته في الطفولة. من الملفت ان موراي لم يلتزم بحدود النص المكتوب لمشهد الختام رغبة منه في تقديم لحظة تمثيل محورية وملهمة شعوريًا رغم تنبيهه وهو ما شكل صدمة للعاملين بموقع التصوير. ويذكر المخرج ريتشارد دونر ان بيل موراي لم يكن يحتاج الى توجيهات مخرج بل الى شخص يستطيع السيطرة على جماح الارتجال لديه. بينما على الجانب الاخر يرى موراي ان تجربته بالتمثيل في الفيلم كانت معاناة كبيرة! وذلك بسبب اختلاف الرؤى بينه وبين المخرج دونر، حتى انه لم يجد نفسه في الفيلم بنسخته النهائية سوى بلقطة وحيدة.
لم يقتصر الخلاف على البطل الرئيسي والمخرج بل ان كاتب السيناريو مايكل اودانيهو يعتقد ان دونر لم يفهم الكوميديا بنص الفيلم بدليل حذفه للعديد من العناصر المؤثرة بهذا السياق لصالح مشاهد اكثر صخبًا وسرعة. ويظن اودانيهو ان ما وصل من السيناريو المكتوب من قبله بمعية غليزر الى النسخة النهائية لسكروجد لم تتجاوز نسبة الأربعين بالمائة، ويذكر «لقد كتبنا تحفة فنية. كتبنا قصة قادرة على ان تُضحكك وتُبكيك، اما الفيلم فكان قطعة من القمامة!"
يقدم بيل موراي احد ادواره الغير مُقدرة كثيرًا فهو يرتفع بشخصية فرانك الى مستوى يغمرنا فيه كمشاهدين باللامبالاة التي تغزو انسان عصر ما بعد الحداثة وزمن هيمنة التكنلوجيا ووسائل الاستهلاك حد نسيان الشعور بسواه دون ان يكون متعمدًا لذلك بقدر ما اخذته الطموحات الى منطقة فقد فيها روحه بعد ان بالغ في تعزيز الفردانية بدل الروابط الجماعية، والتشكيك في القيم الإنسانية الاصيلة الجامعة للبشر حيث يأخذه الايغال في الغُربة لعدم يقين بفعل الخير ما يقلل من أهمية الاخرين بحياته.
الفيلم نجح في تقدم رؤية ظلامية لاذعة لعصر التلفزيون بثلثه الأول حين ينثر موراي سحر كوميدياه العميقة فترسم طاقته الادائية ملامح القسوة بنعومة وهيئة الشر دون ان ينزوي خلف الحقد والكراهية. انها صورة انسان دينكز (البخيل) من غير سجايا عصره ولا طبيعة سلوكه الفيكتوري. لكنه يتراجع في اجتهاده العاطفي بنصفه الثاني فأمسى يخوض بكليشيهات هوليوودية مبتذلة تبدو فيها الشخصيات مسطحة وحواراتها غير نابضة بالعمق المطلوب. رغم ذلك وربما من حُسن طالع الفيلم ان فوضاه الدرامية وصخب ايقاعه ينسجم مع العصر الرقمي الذي نحياه. علامة أخرى على ان الاجتهاد الفني يحقق مبتغاه ولو بعد حين.
سكروجد.. ترنيمة ديكنز في عصر التلفزيون

نشر في: 8 يناير, 2026: 12:03 ص








