علاء المفرجي
ليس من السهل أن تصنع فيلمًا عن لحظة ثورية في تاريخ السينما دون أن تسقط في فخ النوستالجيا أو التقديس. لكن المخرج الأميركي ريتشارد لينكليتر، في فيلمه ، يختار طريقًا أكثر تعقيدًا وجرأة: أن يحكي قصة ولادة لغة سينمائية لا بوصفها أسطورة مكتملة، بل بوصفها فعلًا مرتبكًا، مترددًا، ومشحونًا بالشك.
الفيلم، الذي عُرض لأول مرة في مهرجان كان 2025، لا يعيد إنتاج À Bout de Souffle)) لجان-لوك غودار، بل يعيدنا إلى كواليس صناعته، إلى تلك الأيام التي لم يكن أحد يعرف فيها أن ما يحدث في شوارع باريس سيغيّر تاريخ السينما إلى الأبد.
منذ مشاهده الأولى، يعلن فيلم الموجة الجديدة أنه ليس فيلم سيرة تقليديًا. لا يبدأ بانتصار ولا ينتهي بتتويج، بل يتتبع حالة من اللايقين: مخرج شاب، فريق صغير، ميزانية محدودة، ونص يتغير يوميًا. هنا، تصبح السينما فعل بحث لا نتيجة جاهزة.
لينكليتر يضع الكاميرا داخل الفوضى، لا فوقها. نشاهد غودار (بأداء متقشف من Guillaume Marbeck) وهو يتردد، يغيّر رأيه، يختبر حدود الكاميرا، وكأنه يكتشف أن السينما ليست ما تعلّمه من الكتب، بل ما يحدث أمام العدسة في اللحظة نفسها.
بهذا المعنى، لا يتحدث الفيلم عن (اللاهث) بوصفه تحفة منجزة، بل عن المخاض الذي سبقها.
المفارقة أن الموجة الجديدة يبدو في بنيته السردية نقيضًا لفيلم (حتى اخر نفس). فبينما كان الفيلم الأصلي قصة هروب وعشق وتمرد شبابي، فإن فيلم لينكليتر يفتت الدراما لصالح ما يشبه اليوميات. لا بطل واحد هنا، بل جماعة من السينمائيين، كلٌّ منهم يشكك فيما يفعله.
حتى الأسلوب البصري، الذي يستعيد الأبيض والأسود ، لا يأتي بدافع الحنين وحده، بل بوصفه موقفًا فكريًا: تقليص الإطار، تقليص الزينة، وإعادة السينما إلى جوهرها الأول، حيث الصورة فكرة قبل أن تكون جمالًا مصقولًا.
أحد أكثر اختيارات الفيلم ذكاءً هو نزع الهالة الأسطورية عن جان-لوك غودار. لا نراه هنا العبقري المتعالي، بل شابًا عصبيًا، أحيانًا متناقضًا، مهووسًا بالسينما إلى حد الإرباك. هذا الغودار لا يعرف تمامًا ما يريد، لكنه يعرف ما لا يريده: القواعد الجاهزة.
ما يميّز الفيلم ليس تقليده لأسلوب الموجة الجديدة، بل محاولته إعادة إنتاج شروطها. الكاميرا أحيانًا غير مستقرة، الحوارات تبدو مرتجلة، والمشاهد لا تبحث عن الكمال. كأن لينكليتر يقول إن تقليد الشكل لا يكفي؛ يجب تقليد الجرأة نفسها.
هذا الاختيار قد يربك بعض المشاهدين، لكنه في جوهره وفاء حقيقي لروح تلك المرحلة، حيث كانت السينما تُصنع دون ضمانات، ودون يقين بالنجاح.
رغم أن أحداثه تدور في أواخر الخمسينيات، فإن الموجة الجديدة فيلم معاصر بامتياز. في زمن تهيمن فيه الخوارزميات، وتُقاس الأفلام بإيراداتها قبل عرضها، يأتي هذا العمل ليذكّر بأن السينما بدأت كفعل تمرد، لا كصناعة آمنة.
لينكليتر، كمخرج أميركي، لا يحاول منافسة غودار ولا استعادته، بل يدخل في حوار معه عبر الزمن. الفيلم يبدو كرسالة تقول: كل جيل يحتاج إلى موجته الجديدة الخاصة، لا إلى تقليد موجات سابقة.
في النهاية، الموجة الجديدة ليس فيلمًا احتفاليًا ولا درسًا تاريخيًا جامدًا. إنه تأمل في لحظة الخطر، في تلك النقطة التي يقرر فيها الفن أن يقفز في المجهول. قد لا يكون فيلمًا للجميع، لكنه عمل نادر يذكّرنا بأن السينما، في أصلها، كانت دائمًا مغامرة.
إنه فيلم عن الجرأة قبل الشهرة، وعن الفوضى قبل الأسلوب، وعن السينما حين كانت تبحث عن نفسها… فوجدت العالم يحدّق به









