TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > التخوين كبديل عن السياسة: جغرافيا الهوية في مرآة الصراع السوري

التخوين كبديل عن السياسة: جغرافيا الهوية في مرآة الصراع السوري

نشر في: 11 يناير, 2026: 12:02 ص

سعد سلوم

في كتابي «مائة وهم عن الأقليات في العراق» (2015) سعيتُ إلى الكشف عن البنية العميقة للصور النمطية التي تُغذّي خطابات الكراهية، وكيف تتحوّل حين يُعاد إنتاجها سياسيا وإعلاميا إلى آلية تُشرعن التشكيك بالجماعات الدينية والإثنية وتخوينها، ثم تهيّئ الأرضية لتبرير العنف ضدها، وصولا إلى الإبادة الجماعية، كما حدث في مأساة الإيزيديين عام 2014. وضمن هذا المنطق الاختزالي، صُوِّر السنّة باعتبارهم «إرهابيين»، والشيعة «صفويين»، والأكراد «انفصاليين». هذه الآلية ليست خاصة بالعراق، فقد شاهدناها في حروب البلقان بين الصرب والكروات والبوشناق، وفي رواندا بين التوتسي والهوتو، ويبدو أنها تظهر اليوم بدرجات متفاوتة داخل المشهد السوري.
في سياق حالات العراق والبوسنة ورواندا توقفت الهوية عن كونها مجرد تعريف اجتماعي أو ديني لتتحول إلى "أداة اتهام" مسيسة. وفي الحالة السورية لم يعد التخوين مجرد خطاب هامشي، بل غدا البديل العملي عن السياسة واللغة الجاهزة لتغطية هشاشة مفهوم الوطنية السائد، فهو لا يقوم على محاسبة أفعال محددة، بقدر ما يمثل رد فعل ضد جماعات تفضح "بوجودها أو صمتها" زيف الاصطفافات القسرية. فحين يغيب الإطار الوطني الجامع، تُختزل الانتماءات المذهبية والقومية إلى "معايير ولاء"، ويصبح التخوين هو الوسيط لإدارة العلاقة بين الأغلبية والأقليات، بحيث يُعاد تفسير الخصوصية الثقافية أو الحياد السياسي بوصفهما تهديدا أو خيانة.
وفي هذا السياق، يمكن القول إن التخوين الذي يعاني منه السوريون اليوم هو النتيجة المنطقية لتحويل الجماعات الى أقليات أو ما تعرف بالأقلوية (Minoritization) وهي عملية سياسية وقانونية واجتماعية تُمارسها الدولة أو القوى المهيمنة لتحويل جماعة ما من "مكون طبيعي" في المجتمع إلى "أقلية" مُعرّفة بحدود قانونية وسياسية صلبة، وهي ممارسة ترسخت جذورها منذ عهد الانتداب الفرنسي في سوريا. فكما يرى بنيامين توماس وايت في دراسته "نشوء الأقليات في الشرق الأوسط (2011)"، فإن الدولة الحديثة هي التي استحدثت "الحساب السياسي" القائم على الأعداد والولاءات، حيث جرى تحويل الطوائف من "مكونات مجتمعية" مرنة إلى "كتل سياسية وقانونية" جامدة تُقاس بمدى تبعيتها للدولة . إن ما نشهده اليوم من استسهال لخطاب التخوين هو الثمرة المرة لتحويل التنوع الطبيعي إلى تصنيفات سياسية صلبة، حيث يُعاد تفسير الخصوصية الثقافية أو الحياد السياسي بوصفهما تهديداً أو خيانة.
ضمن جغرافيا التخوين السورية، يُدان الدروز لحيادهم، ويُختزل العلويون في بنية السلطة ككتلة مسؤولة جماعيا عن ممارساتها، بينما يُحاكم الإسماعيليون على صمتهم وخصوصيتهم. وفي ذات السياق، يُتهم المسيحيون بالخيانة لمجرد بحثهم عن الاستقرار أو الهجرة، وتُصوّر المطالب الحقوقية للأكراد كمشاريع انفصالية دائمة، ويُربط الانتماء الثقافي للتركمان بتبعية خارجية. ويمتد هذا النزع للشرعية الوطنية ليشمل الشركس والشيشان عبر تصويرهم كجماعات غير مندمجة، والآشوريين والسريان بتهمة الاستقواء بالخارج، وصولا إلى الاستبعاد الرمزي للإيزيديين والتشكيك في ولائهم بسبب تمايزهم الديني. إن هذا المشهد يثبت أن التخوين بات "مصفاة إقصائية" تحول التعدد الطبيعي إلى أسلحة سياسية في زمن الانهيار الوطني.
تتجلى آلية التخوين بوضوح في محاكمة الجماعات بناء على تموضعها السياسي وسط الاستقطاب، حيث يُعاد تفسير حذر الأقليات بوصفه "خيانة وطنية" بدلا من كونه "استراتيجية بقاء" تمليها غريزة الحفاظ على الذات. تبرز حالة الدروز هنا كنموذج صارخ، إذ يُغذى خطاب التخوين ضدهم عبر صور نمطية تُسوقهم كـ "أقلية انعزالية"، ويُحوّل حذرهم السياسي إلى "ولاء متحوّل" يتبدل بتبدل القوى. ينبع هذا التخوين من رؤية قاصرة ترفض مبدأ الشراكة، وتعتبر أن الوطنية تُقاس بمدى "الطاعة" والالتحاق القسري بأحد المعسكرين، مما يجعل من حيادهم جريمة أخلاقية في نظر المستقطبين وليس حقاً مشروعاً. ويمتد هذا التشويه ليشمل مغالطات تعميمية تربطهم قسراً بسياقات خارجية (كدروز فلسطين)، وتوظيف انتقائية تاريخية تتجاهل مآثرهم في الثورة السورية الكبرى لتكريس تهمة "الحياد المشبوه».
وبنمط مشابه من التخوين الرمزي، واجه المسيحيون اتهامات بـ "التحالف مع الاستبداد" نتيجة حذرهم السياسي، مما أدى إلى تجريدهم من صفة الشراكة في المعاناة الوطنية. وفي مقابل ذلك، استهدفتهم الخطابات المتطرفة بوصفهم "طابوراً خامساً للغرب"، وأوّلت رغبتهم الطبيعية في النجاة أو الهجرة نتيجة الاستهداف المباشر بأنها "تخلٍ عن الوطن"، في تجاهل تام لحقيقة أن التناقص العددي لهذا المكون هو ثمن مباشر لغياب الأمان والضمانات الوطنية، وليس دليلا على نقص في الانتماء أو الولاء.
على الضفة المقابلة لخطاب تخوين الحياد، يتخذ التخوين ضد العلويين أبعادا أكثر قسوة ترتكز على مفهوم "الذنب الجماعي، حيث تُدمج الطائفة كليا في "صورة الدولة"، مما يلغي التمايز الضروري بين الأفراد ومؤسسات السلطة. في هذا السياق، يُستخدم التخوين كأداة لإلغاء الفرد ومحو الفوارق الشاسعة بين المهمشين وصناع القرار، فتُحمل الجماعة مسؤولية السياسات الأمنية العليا باعتبارها "كتلة صماء"، ويُنزع عن أي صوت معارض داخلها صفة الأصالة ليُصنف كـ "مناورة" تهدف لحماية الطائفة لا الوطن.
يتغذى هذا الخطاب على ادعاء وجود "ولاء عضوي مطلق" بوصفه خيارا عقائديا حتميا، وهو ادعاء يتجاهل عمدا ضغوط الخوف الوجودي من البديل المتطرف، كما يتغافل عن التهميش الاقتصادي الحاد الذي طال الأرياف العلوية. ومن خلال هذا الاختزال، يُحوّل الخطاب الطائفي الوضع الطبقي المعقد إلى "امتيازات طائفية" متوهمة، مما يولّد عداء طبقيا يتم التعبير عنه بلغة مذهبية حادة. علاوة على ذلك، تُوظف التحالفات الإقليمية لنزع الصبغة الوطنية عن المكون ووضعه في خانة "الولاء المزدوج"، بينما يتم التشكيك في مخاوفهم من الانتقام أو التطهير العرقي بوصفها مجرد "ذريعة سياسية". إن هذا المسار لا يكتفي بإغلاق أبواب الحوار، بل يُشرعن "العقاب الجماعي" بناءً على الهوية بالولادة، مستبدلاً التحليل السياسي الرصين بإدانة وجودية شاملة تمنع أي إمكانية لبناء ضمانات وطنية مشتركة.
في سياق المكونات القومية والمذهبية، يتجاوز خطاب التخوين نقد الموقف السياسي ليضرب في صميم "الأصالة التاريخية"، محولاً التعددية إلى نزاع على شرعية الانتماء. يبرز ذلك بوضوح في حالة الأكراد، حيث تُستغل "المطالب الحقوقية" لربطها بـ "النزعات الانفصالية"، فيُصوّر أي حراك ثقافي أو لغوي كخيانة للسيادة ومشروع لتمزيق الخريطة، ويُعزز هذا الإقصاء الرمزي بتوظيف سرديات مغلوطة تُجرد الأكراد من صفتهم كأبناء أصليين للأرض، مما يحوّل قضيتهم من صراع حقوق إلى تشكيك وجودي. وعلى نحو مشابه، يعاني التركمان من تخوين عِرقي ولغوي، إذ يُصوّرون كـ "طابور خامس" وأدوات لمشاريع إقليمية، وتُؤول مطالبهم بالاعتراف الثقافي كتمهيد لعمليات "تتريك"، مع استحضار وصف "الوافد القديم" لجعلهم هدفاً سهلا للتخوين عند كل توتر سياسي مع الجوار. أما الشيعة الإثنا عشرية، فيواجهون خطابا ينزع عنهم صفة المواطنة ليصوّرهم كـ "رأس حربة" لمشاريع خارجية أو "احتلال داخلي"، حيث يُختزل وجودهم التاريخي في أدوار عسكرية عابرة، ويُحمل الفرد البسيط منهم مسؤولية مخاوف التغيير الديموغرافي، مما يحوّل المذهب من خصوصية إيمانية إلى تهمة سياسية تشرعن الاستبعاد.
ولا يقتصر التخوين على الأصول العرقية، بل يمتد لمحاكمة "الخصوصية العقدية" كما في حالة الإسماعيليين، الذين يواجهون نوعاً من "عقاب الصمت"، إذ يُقرأ عدم رفعهم للصوت بالطريقة التي يشتهيها الآخرون، أو تمسكهم بخصوصيتهم، بوصفه "تواطؤاً" أو أجندات باطنية غامضة. ويُستغل ارتباطهم الروحي والتنموي بمؤسسات "الآغا خان" لتصويرهم ككيان عابر للحدود يفتقر للصبغة الوطنية، وهو "تخوين ناعم" يهدف إلى عزلهم رمزياً والتشكيك الدائم في نواياهم. إن هذا المسار يُثبت أن التخوين بات يُستخدم كأداة لعقاب كل من يرفض الذوبان في لغة الصراع الصاخبة، محولاً الاختلاف الهادئ والاندماج غير المشروط إلى شبهة وطنية.
وبذات المنطق الإقصائي، لا يبتعد الشركس والشيشان عن هذا الاستهداف، فبرغم اندماجهم العميق في النسيج السوري، إلا أنهم يُحصرون غالبا في صورة نمطية تختزل وجودهم في دور "المقاتل المرتزق" أو حرس السلطة، وذلك نتيجة حضورهم التاريخي في أجهزة الدولة والمؤسسة العسكرية. هذا التنميط الوظيفي يتجاهل تعمدا تنوع مواقفهم السياسية الفردية، ويقفز فوق تاريخهم العريق في الدفاع عن سوريا ضد الاستعمار، ليحول التزامهم المؤسساتي إلى شبهة بالتبعية العمياء.
إن هذه الصور النمطية، بمحركاتها المذهبية والعرقية والوظيفية، تعمل كحواجز نفسية صلبة تمنع السوريين من رؤية بعضهم كأفراد ومواطنين أحرار، وتحبسهم في "زنازين هوياتية" تُفضي في نهاية المطاف إلى العزل الرمزي ونزع الشرعية الوطنية عن كل من لا ينضوي تحت شروط الاصطفاف القسري. هذا الواقع يؤكد أن خطابات التخوين في سوريا اليوم لا تحاكم المواقف السياسية المتغيرة أو الآراء القابلة للنقاش، بل تحاكم "الهوية بالولادة" وتجعل منها "خطيئة" أو "صك غفران"، وهو ما يوصد الأبواب أمام أي عقد اجتماعي جديد يقوم على الثقة المتبادلة والشراكة الوطنية، ويستبدلها بتوجس دائم وإقصاء ممنهج يمزق وحدة المجتمع.
القاسم المشترك في موجات التخوين داخل سوريا أنه لا يقوم على الأفعال، بل على صور نمطية تُفرض على الناس بسبب هويتهم. وعندما يغيب العقد الاجتماعي، تتحوّل الخصوصية القومية أو الدينية أو المذهبية إلى اختبار ولاء دائم، تُسلب معه الفردانية وحق المواطنة. عندها يصبح خطاب التخوين أشبه بـ"مصفاة" تُقصي المختلف بدل أن تحاسب المخطئ، وتستدعي التاريخ بشكل انتقائي لتبرير الإقصاء الرمزي أو الواقعي.
المفارقة أن التخوين يُبنى على الهوية لا الموقف: يُلام الأكراد على نشاطهم، والمسيحيون على حذرهم، والعلويون على ارتباطهم بالسلطة، والدروز على رفضهم الاصطفاف. هذا ليس توصيفًا للواقع، بل أداة ضغط تعيد تعريف الوطنية بوصفها طاعة بدل شراكة، بينما تُحوّل "الرادارات السياسية" الحقوق الطبيعية (كالحياد والخصوصية) إلى تُهم تفكك الهوية الجامعة.
والأخطر أن التجارب القريبة والبعيدة تُظهر إلى أين يقود هذا الطريق: فقد مهّدت سرديات التخوين في العراق، كما في البلقان ورواندا، لانزلاقات خطرة أضعفت الاجتماع الوطني وفتحت الباب أمام العنف المنفلت. إن المسار نفسه (إذا تُرك بلا تصحيح) لا يهدد الأقليات فقط، بل يطعن فكرة الوطن ذاتها. فالوطنية التي تُقاس بالصراخ والولاء الأعمى تعبئة مؤقتة لا مشروعا جامعا. ويبقى السؤال: هل نريد وطنا يتسع للجميع، أم ساحة لا ينجو فيها إلا من يرفع الراية في اللحظة "الصحيحة"؟ ما لم يُعاد تعريف الوطنية على أساس الثقة والشراكة، سيظل التخوين أسهل من السياسة.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

جميع التعليقات 2

  1. خليل حسين ... موقع السفينة

    منذ 3 أسابيع

    تحياتي.

  2. فارس الفارس

    منذ 3 أسابيع

    التعددية ممكن أن تكون مصدر قوة للبلد وإذا لم يحسن التعامل معها فستكون خطرا كبير يهدد وحدة البلاد… أحسنتم دكتور

ملحق منارات

الأكثر قراءة

العمود الثامن: امريكا عزت الشابندر

محنة القوميات الصغيرة في العراق: من شركاء في التأسيس إلى ضحايا للتهميش

العمود الثامن: المالكي يتظاهر.. المالكي يتحاور!

الصراع الإيراني– الأمريكي في ضوء المدرسة الواقعية الجديدة

الدبلوماسية العراقية في ظلال البعث

العمود الثامن: بغداد أحمد رامي

 علي حسين قبل أكثر من نصف قرن، شاهد العراقيون من على شاشة تلفزيونهم الأبيض والأسود، الشاعر المصري أحمد رامي الذي ارتبط اسمه بكوكب الشرق أم كلثوم، وهو يلقي بمعطفه في الهواء منتشيا بصوت...
علي حسين

قناطر: زيادة عدد السكان تهدد مشاريع الخدمات

طالب عبد العزيز لنسلم(غصبن علينه) بأنَّ الأراضي الزراعية المحيطة بضفتي شط العرب خرجت رسمياً من كونها بساتين ومزراع نخيل، لا بسبب لسان الماء المالح الذي ما زال يلغ في شط العرب؛ وإنما لأنَّ الأراضي...
طالب عبد العزيز

تغييب التراكم المؤسسي وتحويل التوأمة العلمية الى سلعة استهلاكية

محمد الربيعي * تثير محاولات "التوأمة الجديدة" بين بعض الجامعات العراقية الاهلية والجامعات البريطانية اسئلة جوهرية حول فلسفة ادارة التعليم العالي اليوم. نحن امام مشهد يكرس سياسة القطيعة مع الماضي، حيث تجمد المشاريع الناجحة...
د. محمد الربيعي

السياسة الجديدة

يعقوب يوسف جبر بسبب المتغيرات الجيوسياسية في العراق خصوصا ومنطقة الشرق الأوسط عموما، ثمة تحولات جذرية سيشهدها الواقع السياسي في العراق من ابرزها تشكيل الحكومة الجديدة، بشكل مغاير تماما للحكومات التي سبقتها. فالقوى السياسية...
يعقوب يوسف جبر
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram