TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > عام جديد.. فلسفة جديدة؟

عام جديد.. فلسفة جديدة؟

نشر في: 12 يناير, 2026: 12:01 ص

هاشم صالح

رأس السنة في مراكش
بدعوة كريمة من صديق كبير أتيح لي أن أمضي رأس السنة الماضية في مراكش عاصمة المرابطين ويوسف بن تاشفين. ولا تزال ذكراها الحلوة عالقة في قلبي حتى الآن. ما أجمل أن تكون في مراكش في هذه اللحظة بالذات. مراكش، في عز الشتاء، ربيع. أنت تستمتع بأشعة الشمس الدافئة والغرب المتغطرس تحت الزمهرير. لا أعرف لماذا تزداد سعادتي كلما ازدادت تعاسات الآخرين. مصائب قوم عند قوم فوائد...
ربما قال أحدهم وقد بلغ به الغضب ونفاد الصبر مبلغه: يا أخي فهمنا أنك أمضيت رأس السنة الماضية في مدينة مراكش. ويحق لك أن تفتخر وتتغنى وتتباهى. ليس كل الناس محظوظين بمراكش. ليس كل الناس على مستوى مراكش. ولكن كنا نتمنى لو نعرف أين أمضيت رأس السنة الجديدة لا القديمة. هل في في فاس أو مكناس أو أغادير مثلا؟ هل في طنجة أو تطوان التي تعشقها وتعشق من فيها لغاية في نفس يعقوب؟ أين كنت قبل بضعة أيام فقط؟ أين كحلت عينك بولادة عام 2026 وليس عام 2025؟ هذا ما يهمنا بالضبط أن نعرفه. والجواب أخشى أن يكون مزعجا ومخيبا للآمال الى أقصى الحدود. أخشى أن ينزل "كالدوش" البارد على رؤوس الجميع. بصراحة لقد أمضيته في فراشي كما يموت البعير. لا حس ولا حسيس، لا رقص ولا فقص، لا أنيس ولا جليس. عيدٌ بأية حال عدت يا عيد؟.. ولكن لا يظنن أحد أني كنت محزونا مدحورا يائسا من الوجود بما هو موجود. أبدا، أبدا. العكس تماما. لقد أمضيت رأس السنة الجديدة وأنا مختل في فراشي الوثير بكتاب ممتع جدا. انه كتاب مقابلات من أوله الى آخره مع فيلسوف فرنسي غير معروف في العالم العربي اسمه : لوسيان جيرفانيون. وهو يتحدث فيه عن الحب والموت وما بعد الموت وقضايا أخرى عديدة..
أبيقور
يقضي على الموت قضاء مبرما
الشيء الذي فهمناه هو أن جميع الفلاسفة فشلوا في تفسير ظاهرة الموت ما عدا الفيلسوف اليوناني أبيقور الذي قال قبل 2500 سنة هذه العبارة الهائلة التي لا تكاد تصدق: يا جماعة لماذا أنتم خائفون من الموت؟ لماذا أنتم مرعوبون؟ عيب عليكم يا جماعة. يا ناس اسمعوا وعوا. الموت شيء وهمي لا وجود له على الاطلاق. الموت سراب في سراب. يا جماعة الموت هو الميت وليس نحن. فاطمئنوا أيها الناس وضعوا أرجلكم في ماء باردة. (بين قوسين: أقسم بالله كنت مرعوبا طيلة حياتي من الموت حتى اطلعت على نظرية سيدنا أبيقور هذه. الآن لم تعد لدي أي مشكلة مع الموت. ليذهب في حال سبيله .ما لي وماله. الله يوفقه. لم يعد يعنيني أمره في قليل أو كثير. لم يعد يشغل بالي على الاطلاق). شكرا لك سيدي ومولاي العظيم أبيقور. ألف شكر. قد تتساءلون مستهجنين ومستنكرين : يا أخي ما هذا الكلام الفارغ؟ بأي حق تقول بأن الموت شيء غير موجود؟ على من تضحك أيها المتفذلك السوفسطائي؟ حتما على نفسك. من سيقتنع بمثل هذا الكلام التافه؟ اطلع من هذه الأبواب أيها الأحمق. أنت تعزي نفسك بثمن بخس ليس الا. وأجيب: اعطوني لحظة واحدة من فضلكم لكي أشرح لكم تفاصيل هذه النظرية العبقرية التي استعصت على كل فلاسفة العالم ما عدا أبيقور. فحواها بالمختصر المفيد ما يلي : عندما نكون أحياء لا وجود لشيء اسمه الموت. ربما كان يحيط بنا ويحوم حولنا من كل الجهات ولكننا لا نشعر به ولا نحس بوجوده على الاطلاق. وبالتالي فهو الميت والمعدوم وليس نحن. ثم بعد أن نموت لا نعود نشعر بشيء ولا نعرف أننا قد متنا أصلا. ما لجرح بميت ايلام.. وبالتالي فهو معدوم في كلتا الحالتين. لا وجود له لا من قبل ولا من بعد. ولكننا نعمل من الحبة قبة ونظل مرعوبين طيلة حياتنا كلها من شيء وهمي لا وجود له. يا جماعة اسمعوا وعوا: مشكلة الموت لا تخص الشخص الذي مات و رحل. وانما تخص فقط الأشخاص الذين بقوا على قيد الحياة بعده والذين قد يزعلون عليه أو يبكونه دما ودموعا.
باي، باي، سيد هاشم...
وبما أني شخص مقطوع من شجرة فلا أعتقد أن أحدا سيزعل علي اذا ما مت. بل العكس تماما هو الذي سيحصل. الكثيرون سوف يطيرون فرحا وابتهاجا ما ان يسمعوا بالخبر. قالت احداهن: والله سأرقص على قبرك أيها المجرم. وقالت الثانية : الى جهنم وبئس المصير ان شاء الله. وقالت الثالثة: الآن جاء وقت العدالة الانتقالية أو بالأحرى الانتقامية التي يشيب لهولها الولدان. وقالت رابعة: الله يفجعك بحالك يا رب. وقالت خامسة، الخ. وقال أحدهم: الحمد لله والشكر لله ولا اله الا الله. الحمد لله الذي مكننا منك يا عدو الله. أخيرا ارتحنا من هذا المارق الزنديق الذي أفسد علينا وجودنا بفذلكاته وتنظيراته وغلاظاته : تنوير تنوير، أصولية أصولية، ظلامية ظلامية، هكذا كالببغاوات على مدار الساعة... فليذهب الى ظلام القبر هو وتنويره غير مأسوف عليه. وهكذا تجدون عشرات، بل مئات، بل الآف المبتهجين بموتي ولا واحد زعلان! هل يعقل ذلك؟ نعم يعقل وأكثر. وهذا ما يثلج صدري في الواقع على عكس ما يظن. وذلك لأني لا أريد أن أسبب أي ألم لأي شخص عندما أرحل عن هذا العالم. لا أريد أن يبكي علي شخص واحد. ولهذا السبب لم أتزوج ولم أنجب الأطفال. لهذا السبب قطعت علاقاتي بالبشرية كلها بمن فيهم أقرب الأقرباء وأحب الأحباء. في الواقع أنها مقطوعة غصبا عن أبي ولكن هذه قصة أخرى.
من كانط الى فولتير
فعل الخير: غاية الغايات
ثم يقول لنا كانط (كبير فلاسفة الأنوار) ما فحواه: الشيء الأساسي هو أن نفعل بعض الخير اذا استطعنا قبل أن نموت. الشيء الأساسي هو أن نكون أخلاقيين، مستقيمين، صادقين. هذا هو الشيء المهم والباقي تفاصيل. وهذا ما قاله فولتير أيضا وبقية الفلاسفة الكبار على مدار التاريخ. عندما تذهبون الى قرية شاتني مالبري في ضواحي باريس الجنوبية يستقبلكم تمثال فولتير الكبير على مدخلها لأنه ولد فيها. وعلى التمثال تجدون مكتوبا العبارة التالية: "حاولت أن أفعل بعض الخير قبل أن أرحل عن هذا العالم وهذا أعظم ما فعلت". كم كان حظي سعيدا اذ شاءت الأقدار أن أمضي أجمل سنوات عمري في شاتني مالبري : مسقط رأس فولتير...
حتى هيدغر كبير فلاسفة الالحاد
يعلن ايمانه قبل أن يرحل...
ولكن لماذا نتحدث عن الموت لا عن الحياة والفرح في مستهل هذا العام الجديد؟ هل يعقل أن نشغل أنفسنا بمشكلة الموت ونحن نعيش بهجة رأس السنة؟ ما هذه المازوشية؟ عيب عليك يا رجل. اخجل على حالك. ولكن لم أتحدث عنه الا لكي أقضي عليه قضاء مبرما. والآن سأتفرغ كليا للحب. الآن سوف أعلن على رؤوس الأشهاد الحقيقة الجوهرية المطلقة، الحقيقة الوحيدة التي لا حقيقة بعدها : وحده الحب يمكن أن ينعش هذا العالم ولا شيء غير الحب. الحب والعدل. وحده الحب يمكن أن ينقذ هذا العالم الذي يوشك على الانهيار، على الانفجار. بدون حب لا عطاء ولا معجزات ولا حضارات. الحب والايمان وليس الحب فقط . بل والايمان قبل الحب. "وحده اله الحق والخير والعدل" يمكن أن ينقذنا كما قال هيدغر في آخر مقابلة نشرتها دير شبيغل بعد موته.
نعم للايمان العميق
لا للايمان الذي يفجر الباصات والحافلات
من قال بأني ملحد؟ أعوذ بالله. اني مفعم بايمان راسخ لا يتزعزع. الايمان بالله والحب هما جوهر الوجود.. وهما موجودان في عاصمة ابن رشد وابن طفيل وابن عربي وبقية عباقرة العرب والإسلام. وجميعهم كانوا مؤمنين يصالحون بين الدين والفلسفة، أو بين العقل والنقل. جميعهم كانوا من أتباع الايمان الذي ينعش ويحيي لا الايمان الذي يقتل ويدمر على طريقة الأصوليين الظلاميين. هناك فرق بين الايمان السمح المستنير/ والايمان الظلامي المتعصب الذي يقتل ويفجر ويذبح شرعا. وهنا يكمن وجه الخطر والخطورة. هذا أخطر شيء وأفظع شيء حصل في منطقتنا مؤخرا: أن تقتل الأبرياء في الشوارع والساحات بل وحتى المساجد باسم الله وقداسة الدين. أخطر شيء أن تقتل الدين باسم الدين. هذه أكبر "لوثة عقلية" أصابت المنطقة العربية منذ أيام الزرقاوي وبن لادن وحتى الآن. هذه أكبر كارثة، أكبر مصيبة. ولكن المشكلة هي أن الجماهير الغفيرة لا تستطيع التفريق بين هذين النوعين من الايمان وانما تعتقد أنهما شيء واحد. بل والعديد من المثقفين العرب لا يلمحون الفرق. وهنا تكمن مشكلة العالم العربي والإسلامي كله حاليا. والسؤال المطروح علينا الآن هو التالي: متى سننتقل من الايمان الذي يقتل ويذبح ويروع الى الايمان المنعش الخلاق الصانع للحضارات؟ متى ستتنتقل شعوبنا؟ متى سيطل علينا اسلام الأنوار؟
أخيرا
عودة الى مراكش
يخيل الي أني رأيت ولادة بنت المستكفي في احدى زوايا الفندق الجميل الفسيح الذي نزلنا فيه. بل رأيت "ولادات" كثيرات. وكل واحدة أحلى من الثانية. شيء مذهل. شيء يدوخ العقول ، هذا اذا بقيت عقول... نعم رأيت ولادة ما غيرها : تلك التي دمرت ابن زيدون وداست على قلبه فراح يئن ويتوجع ويتحفنا بأجمل قصيدة حب في الشعر العربي. شكرا ولادة ألف شكر. أكاد أقول شكرا للفشل في الحب ألف شكر. أبيع الدنيا كلها بنص واحد له معنى:
ان كان قد عز في الدنيا اللقاء بكم
في موقف الحشر نلقاكم وتلقونا

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق منارات

الأكثر قراءة

العمود الثامن: حكاية سجاد

العمود الثامن: متى يتقاعدون؟

هل يستطيع العراق في 2026 أن يهزم الفساد وينزع سلاح الميليشيات؟

العمود الثامن: فتاة حلب

الدبلوماسية العراقية: من التحديث الملكي إلى مأزق العنف السياسي

العمود الثامن: انقلاب الفتلاوي

 علي حسين إذا كان جنابك من الذين يتابعون الأخبار، فأتمنى أن تتابع خطبة الشيخ صدر الدين القبانجي الذي اعلن فيها ان شيخ الازهر سيعلن تشيعه ، وان مصر ستتحول الى دولة شيعية قريباً...
علي حسين

قناديل: عندما يعجزُ العقلانيُّ عن عقلنة آلامه

 لطفية الدليمي مقالتي اليوم سردٌ لحكاية حقيقية حصلت في الأيّام القليلة الماضية مع صديق عزيز لي عرفتُهُ عبر الفيسبوك. لم يكن صديقي كائناً هشّاً، ولا ممّن تهزمُهُم التفاصيلُ العابرة. كان، في نظر كلّ...
لطفية الدليمي

قناطر: نريد جسراً نعبره إلى الحياة

طالب عبد العزيز إذا كان المفكرون المحتجون على الواقع العراقي يقولون بأنَّ غالبية الشعب العراقي تعيش في الماضي، وهي مقولة نتداولها في الحيث والتعبير عن أزمتنا في السياسة والدين والاجتماع فأنَّ الغالبية هذه تعيش...
طالب عبد العزيز

هل يمثل النموذج العراقي مخرجا للأزمة السورية؟

سعد سلوم (1-2) في عام 2006، وضمن مراسلات نشرتها مؤسسة MICT الألمانية، كنتُ أخوض سجالا فكريا مع الصحفي السوري "كمي الملحم" حول ارتدادات الزلزال العراقي المتوقعة على سوريا. كان هاجسه الأكبر حينها هو تجنب...
سعد سلّوم
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram