TOP

جريدة المدى > عام > الفنانة ساكار سليمان تعيد صياغة الجسد البشري

الفنانة ساكار سليمان تعيد صياغة الجسد البشري

نشر في: 12 يناير, 2026: 12:02 ص

علي الدليمي
احتضنت أروقة قاعة (The Gallery) مساء الجمعة، الافتتاح المميز للمعرض الشخصي للفنانة التشكيلية "ساكار سليمان"، والذي جاء تحت عنوان "التسعة من الوجود إلى الوجود".
المعرض الذي شهد حضوراً نخبوياً من الوسط الفني والأكاديمي، قدم تجربة بصرية مغايرة تختزل مفاهيم الخلق والهوية.
ساكار سليمان، خريجة كل من معهد وكلية الفنون الجميلة في السليمانية، وصاحبة الحضور الفني الدولي والمحلي المتعدد. اختارت في مجموعتها الجديدة أن تخوض غمار البحث في "الهوية البيولوجية".
أعمالها لم تكن مجرد لوحات، بل كانت محاولة لإعادة صياغة الجسد البشري، وتحديداً الأنثوي منه، في لحظات خصوبته وامتلاء كتلته، بعيداً عن التفاصيل الواقعية المملة، ومنحازة إلى جوهر الشكل التجريدي ودلالاته الرمزية المرتبطة بالأرض وديمومة الحياة.
تعتمد الأعمال على استراتيجية "الاختزال القصوي"، حيث يتم تجريد الجسد من ملامحه التشخيصية المعتادة ليتحول إلى رموز هندسية لينة. الدائرة هنا ليست مجرد شكل، بل هي استعارة للرحم، للكون، وللاكتفاء الذاتي. هذا التكرار للشكل الدائري في أغلب اللوحات يخلق إيقاعاً بصرياً يوحي بالاستمرارية.
الفنانة هنا لا تسعى لتقديم جسد "جميل" بالمعايير الكلاسيكية، بل يسعى لتقديم جسد "حقيقي" بمعناه الوجودي؛ جسد يحمل ثقل الوجود، وتظهر فيه الكتلة كعنصر مهيمن يعكس قوة الطبيعة الكامنة في التكوين البشري.
يظهر تنوع الخامات (من الورق الأسمر الخشن إلى القماش والشبك المعدني أو النسيجي) وعياً عميقاً بمفهوم "الملمس" كعنصر تعبيري. إن استخدام الأسطح ذات المسامية العالية أو الشبكية يضفي نوعاً من "الشفافية والغموض" في آن واحد؛ فهي توحي بأن الجسد ليس كتلة صماء، بل هو كيان مخترق بالضوء والزمن. الحوار بين السواد الكثيف (الفحم أو الحبر) وبين البياض أو الألوان الترابية يعزز من ثنائية "الظهور والاختفاء"، وكأن هذه الأجساد في حالة تشكل مستمر، لم تكتمل بعد أو أنها في طور التلاشي.
تحمل بعض الأعمال دلالات رمزية تشير إلى "تراكم المعرفة" أو "الذاكرة الجينية"، خاصة عند دمج عناصر تشبه النصوص القديمة أو المخطوطات داخل تكوين الجسد. هذا التداخل يوحي بأن الجسد ليس وعاءً بيولوجياً فحسب، بل هو وعاء للثقافة والتاريخ. إن وضع الرموز الكتابية في منطقة "المركز" (البطن/الرحم) يحول الجسد إلى "نص" يحتاج إلى قراءة وفك شفرات، مما ينقل العمل من حيز الفن البصري الصرف إلى حيز الفلسفة الأنثربولوجية.
تتأرجح المجموعة بين الهدوء التأملي المتمثل في الخطوط الرفيعة الهشة، وبين العنف التعبيري المتمثل في الضربات العريضة والسواد القاتم. هذا التضاد يخلق حالة من التوتر الدرامي داخل الإطار. فبينما تبدو بعض التكوينات وكأنها "أجنة" في طور السكون، تظهر أخرى ككتل انفجارية تتحرر من حدودها. إن استخدام اللون الأحمر في مواضع محددة ومختزلة يعمل كـ "بؤرة حيوية" تشير إلى الدم، الحياة، أو الألم، دون السقوط في فخ المباشرة.
إن مجمل هذه الأعمال يمثل رحلة في "سيكولوجية الشكل". الفنانة تننجح في تحويل الجسد من موضوع مادي إلى "فضاء تأملي". إن القوة في هذه المجموعة لا تكمن في محاكاة الواقع، بل في قدرتها على استثارة مشاعر بدائية تتعلق بالأصل، والنمو، والثقل الوجودي. هي أعمال تحتفي بالبساطة المعقدة، وتجعل من الخط الواحد مساراً للحياة، ومن الدائرة عالماً بأسره، مما يجعلها تجربة بصرية معاصرة بامتياز تجمع بين حداثة الأسلوب وأصالة الطرح الوجودي.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق ذاكرة عراقية

الأكثر قراءة

سبعةُ أبوابٍ لحياتنا

موسيقى الاحد: موتسارت والأوبرا

كتاب جديد..الاتجاهات الشعبوية والاعتقاد بنظرية المؤامرة

الكاتب والمفكر الفلسطيني الأمريكي أدورد سعيد

ارتباط المكان بالهوية الحضارية

مقالات ذات صلة

الروائي والصحفي يوثق الحيرة وأسئلة القمع والمنفى..موجات زهير الجزائري المرتدة
عام

الروائي والصحفي يوثق الحيرة وأسئلة القمع والمنفى..موجات زهير الجزائري المرتدة

عواد ناصر يسترجع زهير الجزائري حياته، ويستبطن، هنا، حيواتنا وهي تلوح متوارية أو متفرجة، وفي الأحوال، كلها، تبعد أو تعود إلى دفاتر يوميات يحتفظ بها منذ سنواتٍ بعيدة ، ما يطرح سؤالاً إجرائياً مفاده:...
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram