شاكر لعيبيبرز أواخر سنوات الستينيات وعيٌ توليفيّ تشكيليّ يستهدف (تعريب المُستعار)، عبر العودة إلى الرموز المحلية والتاريخية العربية واستخدام الحرف العربي وأقواس العمارة الإسلامية (جواد سليم وشاكر حسن السعيد مثلاً)، بل نفي فن الخط العربي لصالح لوحة القماش المسندية (صخب الحروفية النظري في أحسن الحالات، ونواياها التجارية القوية الخفية في أسوئها). لقد اعتبرت عودة كهذه خصوصية من خصوصيات الفن التشكيلي العربي الحديث، وهو حديث خرافة بكل بساطة كما حاولنا البرهان في كتاب عن الموضوع عام 2003: "خرافية الخصوصية في التشكيل العربي المعاصر"
من أكبر المفارقات هي ان الفن التشكيلي نشأ في العالم العربي على الفور حديثاً، دون اجتياز مراحل وتطورات وانقلابات الفن الأوروبي. لقد انهمك مباشرة مثلا في المنظر الطبيعي paysage، مهما تكن درجة ضعفه في بدايات نشوء التصوير العربي، الذي لم يُخترع كنوع فني في أوروبا نفسها إلا في فترة لاحقة من عصر النهضة. بل انهمك به من دون ان يمتلك موقفا متأملا متأصلا من الطبيعة، لأنه كان مقطوع الصلة عن أمهات الدراسات الفلسفية العربية الإسلامية، على الأقل، التي عالجتها ملياً، وما زال. ذهب الفن العربي فورا إلى المنجزات التشكيلية الأوروبية الحديثة وبسرعة ماراثونية، غير متوفر لا على النية ولا الوقت لاجتياز المسافة التي قطعها الفن الأوروبي بدءاً من الفن البيزنطي فعصر النهضة فما تلاه حتى حركات بداية القرن العشرين الراديكالية. لقد نشأ فناً (حديثا) منذ البدء مما سبب ويسبب العديد من المفارقات المحلولة بأثمان باهظة، لا تقال إلا على استيحاء. نشأ حديثا وليس دائما عن صلة رحم عضوية مباشرة مع أوروبا بل عبر وسائط أخر. فليس غريبا أن يكون البعض من كبار الرسامين الرواد العراقيين مثلاً قد تلقّوا الحداثة من مراجع تركية، أو ان يكونوا هم أنفسهم من أصول تركية بشكل ما، أو وُلدوا – وللأمر مغزى في ذلك الوقت- في تركيا، ذلك أن عملية (تقليد الحداثة) على مستوى الفن التشكيلي لم تتم دائماً من مصدرها الأوروبي بشكل مباشر، وإنما وصلت في حالات عديدة من المصدر التركي الذي كان يسعى هو نفسه، قبل البلدان التي يهيمن عليها، إلى اللحاق، في أيام مرض الإمبراطورية العثمانية، بتلك الحداثة العتيدة، ليس على الصعيد التشكيلي فحسب إنما غيره من الصعد مثل حركة تحرّر المرأة التي وصلت لمصر عن الطريق التركي عينه، ومن سيداتٍ مصرياتٍ تأثرن بقوة بجمعيات تحرر المرأة المماثلة في تركيا، هدى الشعراوي (1878 ـ 1947م) مثلا.تشابه الاتجاهات والأساليب الفنية اليوم في كل من العالم العربي وتركيا وإيران حتى وقت قريب، يُعزى إلى تشابه ظروف هذه البلدان وتشابك تاريخها ومصائر شعوبها، لكن أيضا وبشكل خاص إلى مشكلة المرجعيات نفسها ومحاولة اللحاق بتحديثٍ ما من دون مساهمة نظرية جذرية في حركة الحداثة العالمية.)كان هذا الوعي التشكيليّ الجديد يتقدّم، في الحقيقة، بالتوازي مع حركات التحرّر من الاستعمار ومن الوعي السياسيّ القوميّ الذي نعرف أنه استعار أيضاً بعضاً من أهمّ حججه من الوعي القوميّ الأوروبيّ. نحن هنا أمام الحلّ الثاني المُقترَح لإشكالية الحداثة في سياقها العربي، وهذه لم تنتج وتعيد إنتاج المأزق على الصعيد المعرفي والجمالي فحسب لكنها أنجزت أعمالاً تشكيلية مثيرة، بل طرحتْ بشكلٍ غير مباشر الأسئلة المريرة عن مقادير المساهمة العربية في حركة الحداثة العالمية ومستوى الوعي بالمفهوم، رغم أن استخدام المفردة على كل لسان، في هذا الوقت عينه، لم يكن موصولاً كالعادة بدرس فلسفي وتاريخي متفق عليه. إن كلمة الرسام جواد سليم العفوية بالغة الصدق والحرارة الإنسانية عام 1951 في افتتاح المعرض الأول "لجماعة بغداد للفن الحديث" قد تمنحنا إشارات إضافية عن التباس العلاقة بين ممارسة (الفن) في بلد عربي وهذه (الحداثة) المامولة المشغول عليها بشغفٍ ما بعده من شغف من طرفه.
تلويحة المدى: تعريب المُسْتعَار

نشر في: 1 إبريل, 2011: 05:30 م







