هادي عزيز علي
يقول فيلسوف القانون الفرنسي ( ألان سبيو Alain Supiot ) في كتابه (الانسان القانوني ) : من غير الممكن ان نسعى الى جعل القانون أداة لنشر عقائدنا لأن التقنية القانونية لا تقوم على عقيدة محبوسة داخل حرفية النص المقدس او داخل أصناف اليقين ، اذ ان تحويل العقائد الى قواعد قانونية يغذي الاصوليات ويضفي عليها صفة التقديس فيحول القانون الى ايديولوجية خلافا لغايته المنصرفة الى انشاء نظام للعيش المشترك بين الناس رغم اختلاف عقائدهم ولان العقيدة ايمان وليس من مهام القانون فرض الايمان ولا يبشر به ولا تجيز وظيفته خلق الايمان المفضي الى العقائد فضلا عن ان اختلاف وظيفة العقيدة عن وظيفة القانون كون الاخير ينظر الى الانسان من جهة المسؤولية في حين ان العقيدة تنظر اليه من الجهة الدعوية ومن هنا جاء تحذير ( سبيو) من تحويل العقيدة الى قانون لأن الدوغمائية تؤسس الى توازنات هشة مصحوبة بأغواء اصولي يذهب الى التعصب الديني المفضي الى العنف . يحتج البعض بالقول ان الدساتير نصت على حرية العقيدة فالرد وارد هنا وانه فعلا تم النص على حرية العقيدة ولكنه لا يلزمك بعقيدة معينة فالانسان حر بما يعتقد باعتباره خيار شخصي ، وهذا والاختلاف بيّن القانون والعقيدة واسع وفي مواضيع متعددة نورد منها ثلاثة على سبيل المثال :
1 .القانون منتج بشري - القانون وفلسفته نتاج بشري اشترك فيه الانسان من مختلف أصقاع العالم وحيث انه كذلك فقد اختلفت فيه الرؤى والمضامين و تنازعته مذاهب عدة ففي المذاهب الشكلية كانت " الوضعية القانونية " تناولها فلاسفة وفقهاء كاالفقيه ( اوستن ) القائل بان القانون هو ارادة الحاكم ينفذها جبراعند الاقتضاء و (هيجل) الذي قال بان المصدر الوحيد للقانون هو التشريع و( كلسن) صاحب النظرية المحضة في القانون . فضلا عن المذاهب المثالية بدء من سقراط وافلاطون وارسطو والرواقية والابيقورية والرومان مرورا بتوما الاكويني وبعد ذلك فلاسفة العقد الاجتماعي ( هوبز ، جون لوك و جان جاك روسو ) ثم مذهب ( سافيني) اعقبتها المذاهب المختلطة التي حاولت التوفيق لما سبق: المتمثلة في افكار ( جيني) الذي فرق بين جوهر القاعدة القانونية وشكلها وصولا الى القانون في الفقه المعاصر المتكون من عنصرين الأول واقعي أي الوقائع التي يمكن اخضاعها للمشاهدة والتجربة المتمثلة في الحقائق الطبيعية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية والتاريخية والأخلاقية والدينية والاخيرة بصفتها حقيقة وليست عقيدة ، والعنصر الثاني : العدل باعتباره من العناصر المثالية ولزوم اضافته الى العنصر الواقعي لكي يحوز صفة الواجب والقانون . هذا الجهد الانساني المشرك يعد المرجعية الفكرية لظهورالقانون في حين ان العقيدة لا تحوز اسباب ومضامين النشاط البشري هذا .
2 . تأسيس القانون - التقنية القانونية التي ذكرها (الان سبيو) – تعني الجانب المهني والادوات والآليات التي من خلالها يتم تحويل الوقائع الاجتماعية والانسانية الى القواعد القانونية قابلة للتطبيق أي انها الصياغة التشريعية بجانبها العملي التي تقوم على اساس المنهج العلمي والمنطق القانوني يراعى فيه ظروف وحاجات المجتمع الحالية والمستقبلية وهي نظرية قائمة بذاتها ولها ايضا جانب فني كونها تعبير عن رغبة المشرع في التوفيق بين المصالح المتعارضة ووضع المراكز القانونية في نصابها الصحيح وللصياغة مساعيها اذ تعد اداة لانشاء النصوص التشريعية وانها اداة للتواصل بين المشرع والافكار فضلا عن كونها اداة للتعبير اللغوي ( اللغة القانونية) أضافة الى انها اداة لتطوير وتماسك النصوص وتوحيدها واداة لابراز الخصوصية أي لتمييز التشريعات عن غيرها بغية الوصول الى الى الاستقرار القانوني . يضاف الى ما تقدم ان للصياغة عناصرها الثلاثة : ( أ- الصائغ التشريعي . ب – المصوغ . ج – المصوغ به ) وتعتمد معايير العمومية والتجريد والالزام الذي يلزم مخالفه الجزاء لذلك يذهب الفقه الى تعريف القانون بانه : ( مجموعة القواعد القانونية العامة المجردة الملزمة .. ) . العقائد تقع خارج نطاق هذا المخاض التشريعي الانساني وهذا موضوع اخر للاختلاف .
3 . غاية القانون : فقهاء القانون المعاصرون يذهبون الى ان غاية القانون تتجلى في ثلاث قيم ، الأولى – العدالة هي روح القانون والغاية الأساسية التي يسعى القانون الى تحقيقها رغم عدم الاجماع على تعريف غايته الا ان تلك الآراء والنظريات انتهت الى انها الغاية الاسمى من بين كل الغايات التي وجد القانون لتحقيقها من خلال الوظيفة الاجتماعية للقانون باعتباره عنصر توازن الذي يحتاجه المجتمع . القيمة الثانية – هي الامن القانوني - ويقصد به : مجموعة القواعد القانونية الواضحة والمستقرة الهادفة الى تحقيق الطمانينة والاستقرار التي يوفرها النظام القانوني للأشخاص المنظم لسلوكهم وحقوقهم والتزاماتهم . اما القيمة الثالثة – فهي الخير العام الذي يتجلى في اطارين الأول - المتمثل في مجموعة الوسائل التي تؤكد فعاليات المجتمع السياسي حتى يتحقق الخير العام الإنساني وحفظ النظام والسلام والامن في المجتمع . الاطار الثاني هو الاطار الموضوعي :ويتجلى في العناصر الموضوعية المكونة للخير العام أي المواضيع المفيدة للمجتمع . غاية القانون المتمثلة في قيمه الثلاث ليس لها وجود في مضامين العقائد لان غايات الاخيرة تختلف عن غايات القانون .










