ميسان / مهدي الساعدي
أدى انخفاض مناسيب المياه في نهر المشرح إلى خروج غالبية محطات ضخ المياه لمنازل الناحية (الإسالات) عن الخدمة، مما أثار حفيظة أبنائها بسبب جفاف شريان الحياة الوحيد المار بناحيتهم، على الرغم من أنهم يعيشون في فصل الشتاء وموسم الأمطار.
كان انعدام الحلول من أهم محاور الناشطين البيئيين في المحافظة، لعدم وجود نهاية لقضية الجفاف رغم أنهم نادوا في أكثر من مناسبة بتدارك الوضع المائي قبيل حلول الكارثة، وهذا ما أكده الناشط البيئي الميساني مرتضى الجنوبي لصحيفة «المدى» بقوله: «قضية الجفاف ليس لها نهاية ونحن في فصل الشتاء، ويشهد نهر المشرح جفافاً كلياً وكأنه في منتصف فصل الصيف، ولم تُطرح أي حلول لتلك الأزمة، فالجفاف لا يزال مستمراً والأهالي يعانون بشكل كبير، وقد تحول الناس إلى شراء المياه في مركز الناحية أيضاً، ناهيك عن قرى ومناطق الناحية الأخرى، وسجل عمود نهر المشرح الواصل إلى الناحية جفافاً لدرجة كبيرة، وليست الأطراف أو ذنائب النهر فقط، بل شملت حتى مركز الناحية».
ونوه الجنوبي: «على الرغم من التظاهرات التي أطلقها أبناء الناحية منذ شهر نيسان/ أبريل من عام 2025، والتي كانت بداية موجة الجفاف القاسية التي ضربت مناطق الناحية، لم يتحسن الوضع سوى شهر واحد، وعادت الأمور إلى سابق عهدها ونحن الآن في شهر كانون الثاني/ يناير ولا يزال الوضع يزداد سوءاً، ولا توجد أي حلول مع انتفاء الأعذار من وجود تجاوزات على عمود النهر مثل إقامة بحيرات أو السقي للزراعة، ولا نعرف متى ستنتهي موجة الجفاف التي ظهرت في موسم الشتاء أيضاً». أزمة الجفاف الخانقة التي يشهدها النهر كانت ولا تزال مادة دسمة تناولتها العديد من المواقع الإعلامية ومنصات التواصل، تغذيها الصور المختلفة والمقاطع الفيديوية التي توضح بشكل كبير حجم المعاناة التي يمر بها، ونقلت العديد من تلك المواقع تقارير توضح معاناة أبناء الناحية من الذين انقطعت عنهم المياه، مؤكدة أن «محافظة ميسان تشهد تدنياً كبيراً وتراجعاً في مستوى مناسيب مياه نهر دجلة المار بمدينة العمارة، فضلاً عن تراجع مناسيب تفرعات النهر في مناطق جنوب المحافظة»، وفق ما اطلعت عليه صحيفة «المدى».
ويتجه نهر المشرح، المتفرع من نهر دجلة المار بمدينة العمارة، نحو الشرق ويقطع قبيل وصوله إلى الناحية التي اكتسبت تسميتها منه بسبب كثرة تفرعاته وتشعباته مسافة 30 كم، مغذياً خلالها عشرات القرى والمناطق، ويسقي البساتين والمزارع الممتدة طول الطريق. ويبين المواطن صالح هادي لصحيفة «المدى» قائلاً: «يعتمد ما يقارب 50 ألف نسمة من سكنة ناحية المشرح وقراها بالدرجة الأولى على نهر المشرح، كونه مصدر الحياة الوحيد المار بها وبما يقارب 30 إلى 40 منطقة وقرية تمر عليها تفرعاته المختلفة، وحالياً كلها تعاني وبشدة لأنه يشهد انخفاضاً حاداً في منسوب المياه، واستحالة وصولها إلى أكثر من 25 قرية ومنطقة تلي الناحية، وهناك مناطق كثيرة جفت تماماً، على الرغم من أن الأهالي خرجوا بتظاهرات واحتجاجات وقطعوا طريق الشركات النفطية لعدة مرات دون أن تتلقى أي استجابة؛ لأن الحكومة المحلية في المحافظة ودوائرها المختصة لا تملك مفاتيح حلول أزمة المياه».
وشدد هادي على أن «هذه ليست المرة الأولى التي تمر فيها الناحية بهذا الظرف القاسي، ورغم أنهم قاموا سابقاً بطرق جميع الأبواب وبجميع الطرق، ولكن دون جدوى، فالأمطار والسيول التي شهدتها البلاد ساهمت بإنعاش النهر سابقاً، والآن يعود كما كان». وفي خضم المعاناة التي تشهدها الناحية، لم يخفِ المهتمون بالوضع الإنساني تخوفهم من تفاقم مشكلة الجفاف في فصل الصيف المقبل، وما ستخلفه من تراكمات على حياة السكان، إذا كانت على هذه الصورة في فصل الشتاء، وهذا ما أبداه حيدر عدنان، رئيس منظمة أبناء الأهوار، خلال حديثه لصحيفة «المدى»: «لا يزال الجفاف يطارد ناحية المشرح ويهدد حياة المدينة ونحن في فصل الشتاء، وهذا ينبئ بكارثة كبيرة قادمة في فصل الصيف، وربما في فصل الشتاء، ولا زالت الحكومة لم تدرك حجم هذه الكارثة؛ اليوم ناحية المشرح تعاني من جفاف حاد، وخروج جميع محطات تصفية المياه عن الخدمة بسببه، والمدينة تعاني من تلوث المياه التي تصل إلى المنازل». التراكمات التي خلفها شبح الجفاف الذي يطارد الناحية وتوابعها منذ سنين ظهرت بصورة واضحة للجميع، من انعدام كلي للزراعة وموت المواشي والحيوانات المختلفة، و«الحلول معدومة» بحسب ما بينه عدنان، ويؤكد أن «الزراعة انتهت بالكامل والحيوانات تطاردها الأمراض والعطش، والحكومة عاجزة عن إيجاد حلول، وكل المناشدات والمخاطبات لا جدوى منها، وسكان ناحية المشرح يواجهون مصيرهم دون حلول حكومية».
ويعتبر جفاف جزء نهر المشرح المار بالناحية استكمالاً لجفاف ذنائبه التي تغذي بدايات الأهوار التي جفت منذ سنوات، وأصبحت عبارة عن أرض جرداء لا دلالة على ماضيها سوى غابات القصب الجاف، منها أهوار السناف والجكة والسودة والعظيم.
وعرض الموقع الإعلامي لجمعية «حماة دجلة» على منصة فيسبوك صوراً لما حل بنهر المشرح، ووسمتها بعدة عبارات منها «أنقذوا نهر المشرح» و «العمارة تغرق بالإهمال»، وأطلقت تدوينة تابعتها جريدة «المدى» جاء فيها: «هذا نهر المشرح أو بالأحرى ما تبقى منه؛ نهر كان روح العمارة، صار اليوم جرحاً مفتوحاً، طين، نفايات، مياه آسنة وإهانة علنية لمدينة كاملة».










