TOP

جريدة المدى > خاص بالمدى > نهر العراق الثالث يفقد دوره الاستراتيجي مع شحّ المياه وتحوّل نظم الري

نهر العراق الثالث يفقد دوره الاستراتيجي مع شحّ المياه وتحوّل نظم الري

نشر في: 14 يناير, 2026: 12:02 ص

 واسط / جبار بچاي

يُعدّ المصب العام، أو ما أُطلق عليه في حينه نهر العراق الثالث، أحد أكبر المشاريع الاستراتيجية التي خطط لها مجلس إعمار العراق في خمسينات القرن الماضي. وهو عبارة عن قناة لنقل وتصريف مياه المبازل للأراضي الزراعية الممتدة من منطقة الصقلاوية شمال بغداد حتى جنوب خور الزبير في محافظة البصرة، وهي الأراضي المعروفة بأراضي السهل الرسوبي، بهدف تصريف تلك المياه المالحة إلى البحر. كما تضمن المشروع وظائف أخرى، تمثلت في خلق التوازن البيئي، وإنشاء مدن وتجمعات سكانية جديدة، ومنتجعات ترفيهية، وتنشيط حركة النقل المائي عبر الجنائب ابتداءً من خور الزبير حتى العاصمة بغداد.
ولم يعد المصب العام حالياً يتمتع بالأهمية ذاتها، وفقد هويته الأساسية وكل خصائصه الفنية والعملية، نتيجة انحسار المياه وتراجعها في المبازل التي تصب فيه على امتداد مساره البالغ طوله 528 كيلومتراً. كما تراجعت تصاريفه التصميمية من 200 متر مكعب في الثانية إلى مستويات متدنية جداً، وساعد في ذلك اعتماد نظم الري الحديثة بدلاً من طرق الري بالغمر التي كانت سائدة سابقاً، إضافة إلى الشحة المائية الكبيرة، الأمر الذي يوجب إعادة النظر في جدواه، وفق ما يراه مختصون في شؤون الري والمياه.
وعن ماهية المصب العام ومكوناته، يقول الخبير في الموارد المائية علي حسين حاجم، وهو مدير عام سابق في وزارة الموارد المائية، إن «المصب العام عبارة عن قناة رئيسية ناقلة لمياه الصرف الزراعي، وهي مياه المبازل الناتجة عن العمليات الزراعية لأراضي السهل الرسوبي المقترح استصلاحها من قبل مجلس الإعمار، والبالغة مساحتها آنذاك 12.5 مليون دونم. ويبلغ طول قناة المصب العام 528 كيلومتراً، وتمتد من منطقة الصقلاوية شمال بغداد حتى خور الزبير في محافظة البصرة، وبطاقة تصريفية تصل إلى 200 متر مكعب في الثانية بعد محطة الضخ في الناصرية».
ويضيف أن «تصاميم المصب العام ومساره راعت ما كان يحدث من كسرات وانهيارات على أكتاف نهر الفرات في مواسم الفيضانات السابقة، عند حدود ناحية النيل في محافظة بابل، بعد تحديد مسار تجمعها في بحيرة الدلمج مروراً بمنخفض أبو جداحة شمال الناصرية، وانتهاءً بالكسرات التي كانت تحصل ضمن حدود محافظة ذي قار، مع السيطرة على مياه الفيضانات من خلال تمريرها في قناة المصب العام إلى البحر».
ويذكر أن «ناظم شط البصرة يُعد المحطة الأخيرة للمصب العام، ويتم التحكم به بمواصفات هيدروليكية محكمة، وتتمثل وظيفته بتصريف مياه المصب العام المتجمعة في منخفض الأنكرلي إلى خور الزبير، عبر بوابات تتعامل مع خاصية المد والجزر البحري في شط العرب. إذ تُعرف أحواض الأنكرلي بأنها منخفض تتجمع فيه مياه المصب العام في فترة المد البحري، ويجري تصريفها خلال فترة الجزر عبر ناظم شط البصرة إلى خور الزبير». ويقول حاجم إن «من بين منشآت المصب العام المهمة محطة ضخ الناصرية بطاقة 200 متر مكعب في الثانية، لإعادة ضخ مياه المصب العام وتأمين جريانها وصولاً إلى أحواض الأنكرلي الواقعة أمام ناظم شط البصرة. كما توجد بحيرة الدلمج بسعة خزنية قصوى تبلغ 429 مليون متر مكعب، وإمكانية تبخر سنوي تصل إلى 519 مليون متر مكعب في السنة، ومن خلالها يتم التحكم بعملية تشغيل المصب العام».
ويشير إلى «وجود الممرات الملاحية ضمن مشروع المصب العام، أو ما أُطلق عليه حينها النهر الثالث، إذ توجد مجموعة من الممرات الملاحية (الأهوسة) عند ناظم شط البصرة، وعند تقاطع الفرات مع المصب العام، وجنوب بحيرة الدلمج. والهدف من ذلك مرور الجنائب الملاحية باتجاه نهر دجلة شمال مدينة النعمانية في محافظة واسط، وصولاً إلى بغداد، عبر قناة رابطة بطول 35 كيلومتراً تربط بحيرة الدلمج بنهر دجلة».
ويوضح أن «آلية تشغيل المصب العام تتم من خلال متابعة محطات الرصد الموجودة على طول مسار القناة في الصويرة، ومقدم ومؤخر بحيرة الدلمج، ومحطة ضخ الناصرية، وأحواض الأنكرلي، ومقدم ناظم شط البصرة. ويجري العمل على تقليص الخزن في بحيرة الدلمج شتاءً إلى مناسيبها الدنيا، ومتابعة ذلك مع طاقة تشغيل محطة الضخ والمناسيب التشغيلية التي يتطلبها النقل المائي، وتهيئتها للخزن صيفاً بهدف تصريف مبازل المناطق الشلبية الواقعة ضمن أراضي محافظة الديوانية».
ويؤكد حاجم أن للمصب العام وظائف كثيرة تلاشت اليوم بعد أن فقد النهر هويته، نتيجة شح المياه والجفاف وتراجع مياه المبازل للأراضي الزراعية على جانبي المصب. ومن أهم تلك الوظائف «تصريف مياه الصرف الزراعي لأراضي السهل الرسوبي إلى البحر، وتنشيط النقل النهري، إذ يؤمن المصب العام نقل الجنائب من خور الزبير وصولاً إلى بغداد، إضافة إلى إمكانية تكاثر الأسماك والأحياء المائية الأخرى في القناة وبحيرة الدلمج. كما كانت هناك وظائف أخرى مهمة، منها أغراض سياحية من خلال إنشاء منتجع سياحي مقترح عند بحيرة الدلمج، لكنه أُهمل بمرور الوقت، إلى جانب التوسع بالمناطق الخضراء والغابات عبر زراعة أشجار مقاومة للأملاح على طول مسار المصب العام، تعمل كمصدات للرمال وتحسين البيئة، فضلاً عن استحداث مدن سكنية على امتداد مساره. وكان المشروع مخططاً له أن يكون بمثابة بيئة حضرية إضافية في العراق تستوعب التوسع السكاني المستقبلي، إلا أن تلك الخطط والبرامج تلاشت، ولم يعد المصب العام كما خُطط له سابقاً». وعن مستقبل المصب العام، يقول إن «انخفاض الواردات المائية للعراق، والتوجه الحتمي لمكننة نظم الري، يوجبان على المعنيين بإدارة الموارد المائية إعادة النظر في حجم المشروع وفلسفة تشغيله، وتحديد الوظائف التي يمكن استنباطها من مكوناته. كما يتطلب الأمر دراسة إمكانية تقليص حجم القناة وأطوال شبكات البزل بأنواعها، والاستفادة من مساحات الأراضي التي تشغلها في المشاريع المستصلحة للأغراض المناسبة، ولا سيما أن النفق عند تقاطع المصب العام مع نهر الفرات، بتصريف 80 متراً مكعباً في الثانية، يكفي لإمرار مياه البزل المتجمعة في المصب العام عند اعتماد نظم ري حديثة، مع ضرورة دراسة إمكانية الاستفادة من محطة ضخ المصب العام في الناصرية، بطاقة 200 متر مكعب في الثانية، ونقلها إلى الثرثار بدلاً من المضخات الحالية».

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق منارات

مقالات ذات صلة

ليلة ترقّب الضربة على طهران.. «المقاومة» منشغلة بالحكومة لا بالحرب

ليلة ترقّب الضربة على طهران.. «المقاومة» منشغلة بالحكومة لا بالحرب

بغداد/ تميم الحسن بينما كانت واشنطن ترفع منسوب التهديد تجاه طهران، وتلوّح بخيارات عسكرية «في غاية القوة»، كانت فصائل ما يُعرف بـ«المقاومة العراقية» منشغلة في بغداد بصراعات من نوع آخر: تقاسم المناصب في الحكومة...
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram