TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > الاستقرار السياسي.. بين حكمة دنغ واندفاع ترامب

الاستقرار السياسي.. بين حكمة دنغ واندفاع ترامب

نشر في: 14 يناير, 2026: 12:01 ص

محمد سعد هادي

يروي «سلمان وصيف خان» في كتابه المهم «هواجس الفوضى: الاستراتيجية الكبرى للصين، من ماو تسي تونغ إلى شي جين بينغ»، حوارًا جرى عام 1989 بين دنغ شياو بينغ والرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش الأب. دنغ، والذي كان آنذاك الزعيم الأعلى للصين ورئيس اللجنة العسكرية المركزية، أسرَّ إلى بوش بأنه، وعلى الرغم من المسافة الأيديولوجية الكبيرة التي تفصله عن ماو تسي تونغ، يتجنب انتقاد الأخير «بقَسوةٍ مفرطة».
ويوضح خان أن دنغ كان يرى أن السعي الممنهج لتشويه إرث سلفه «يعني إنكار جزءٍ مهم من تاريخ البلاد، وهو ما قد يؤدي إلى فوضى أيديولوجية واضطراب سياسي في سياقٍ يتطلب استقرارًا تامًا»، وهو استقرار كان دنغ حريصًا كل الحرص على صيانته فوق كل اعتبار. فانتقاد ماو المتكرر والعلني، بحسب وجهة نظر دنغ، قد يقلب الاستقرار إلى فوضى، وعندها ستنهار كل آمال التنمية الاقتصادية التي كانت الصين، المنهكة من الحروب وتجارب ماو الاجتماعية، في أشدّ الحاجة إليها. فالحزب، إذًا، كما رأى دنغ، كانت وظيفته ترسيخ العقيدة القائمة لا تقويضها، والتنمية الاقتصادية المبنية على الاستقرار جزءٌ لا يتجزأ من هذا الترسيخ.
كنت قد قرأت كتاب خان هذا قبل نحو ستة أعوام، وبقي هذا المقطع، لسببٍ ما، عالقًا في ذهني، ربما لتناقضه المباشر مع العُرف السياسي المألوف في عالمنا العربي، الذي سرت فيه العادة، ولا سيما في جمهورياته السلطوية، إلى السعي الفوري للحاكم الجديد لطمس وتشويه إرث سلفه، وإعادة كتابة التاريخ، في أغلب الأحيان، بسرعة وتطرّف، من دون اكتراثٍ حقيقي بالذاكرة السياسية الجمعية للأمة، ولا بالعواقب المترتبة على تشويهها الاعتباطي من تشظٍّ واستقطاب وفقدانٍ للحقيقة، بينما يبدو تحفّظ دنغ السياسي مناقضًا لتلك القاعدة "وهي شبه سائدة أيضًا في أنظمة دول العالم الثالث السلطوية"، بأدراكه أن شرعية نظام الحكم، "واستقراره وتحديثه"، لا تعتمد على الخيارات السياسية فحسب، بل على نوع العلاقة القائمة بين الجماعة السياسية وماضيها. وربما كان هذا الوعي الاستراتيجي بأهمية الاستمرارية التاريخية أحد العوامل التي مكّنت دنغ من وضع الأسس لصعود الصين السريع كقوة عظمى، لا قرين لها اليوم إلا الولايات المتحدة الأمريكية.
وقد اقترن تذكري للمقطع، مع خبرٍ تم تداوله على نطاق واسع في الأسبوع المنصرم، عن إضافة الرئيس الأميركي الحالي "دونالد ترامب" لوحاتٍ تعريفية جديدة تحت صور رؤساء الولايات المتحدة، الذين حكموها قبله، فيما بات يُعرف بـ«ممشى الشهرة الرئاسي». وعلى الأرجح، فلقد أصبحنا جميعًا على دراية بصورة القلم الآلي، التي خصّصها ترامب لسلفه المباشر "جو بايدن" في هذا الممشى، غير أن الزائرين له، ومعظمهم من قادة العالم، بات بإمكانهم الآن أيضاً قراءة نص كاريكاتوري قلما نجد مثيلاً له، حتى في أشد ديكتاتوريات العالم تخلفاً، يفيد بأن بايدن «كان، وبفارقٍ كبير، أسوأ رئيس في تاريخ الولايات المتحدة»، وأنه «أشرف خلال فترة حكمه على سلسلة من الكوارث السياسية غير المسبوقة التي كادت أن تصل بها إلى حافة الهلاك».
أن تصرّفًا كهذا متوقَّع بالطبع من شخصية متقلّبة مثل الرئيس الأميركي ترامب، غير أنه من غير المتوقَّع أن تنزلق ديمقراطية مؤسساتية راسخة كالولايات المتحدة، بهذه السرعة إلى هذا النوع من الابتذال السياسي، وأن تصبح حبيسة أهواء زعيم "شعبوي" مثل ترامب، غير قادر على ضبط أفعاله السلوكية، ناهيك عن ممارسة أدنى درجات التحفّظ السياسي التي دأب عليها دنغ في الصين مثلًا. فالسياسة في الأنظمة الديمقراطية، على الأقل نظريًا، لا يُفترض أن تُدار على نحو غير عقلاني إلى هذا الحد، ولا بطريقة تقوّض ذاتها استراتيجيًا.
وبالرغم من اختلاف السياق التاريخي بين دنغ وترامب، فإن حجم التحديات السياسية والاقتصادية التي يواجهها الأخير، لا تختلف في صعوبتها عن تلك التي واجهها الزعيم الصيني من قبله. فكما كان الحال مع الصين في عهد دنغ، تواجه الولايات المتحدة اليوم معضلات سياسية واقتصادية معقّدة، بدءًا من عجزٍ مزمن في الميزانية (مع إنفاق يقارب تريليون دولار سنويًا على فوائد الديون الوطنية وحدها)، إلى تفاوتٍ طبقي متفاقم (في ظل بلوغ ديون بطاقات الائتمان لدى المستهلكين الأميركيين رقمًا قياسيًا يقارب 1.23 تريليون دولار)، ومرورًا بالحاجةِ إلى إعادة هيكلة الاقتصاد للحفاظ على القدرة التنافسية في الأسواق العالمية، وصولًا إلى ضرورة تحديث المؤسسة العسكرية التقليدية على نحو يضمن لها جهوزية تامة لأساليب الحروب الحديثة، التي تكشّفت خلال النزاعات الأخيرة.
وبالرغم من جسامة هذه التحديات وتطلّبها لاستراتيجية واضحة، نجد الإدارة الحالية بصدد التراجع عن عددٍ من السياسات، التي وُضعت في عهد بايدن، لتعزيز الموقع الاستراتيجي الأميركي إزاء الصين، أو تفكيكها، واستبدالها بحزمة من الإجراءات المتفرقة التي تبدو، عند النظر إليها مجتمعة، غير منسجمة، ومتناقضة، وتفتقر إلى اتجاهٍ استراتيجي واضح.
صحيح أن الغموض الاستراتيجي قد يكون أداةً مفيدة عند توجيهه إلى الخصوم، لكنه يتحوّل إلى سلاح تدمير ذاتي ممنهج وبطيء، عندما يُتَّخذ مقاربةً استراتيجية لتوجيه السياسة الداخلية للبلاد، لما يترتب عليه من فوضى إدارية وشللٍ مؤسساتي مزمن.
لا أدّعي الخبرة العميقة في السياسة الداخلية الأميركية، غير أن عدم الإحاطة بالتفاصيل الدقيقة أحيانًا، يساعد على رؤية ما قد يكون بديهيًا لمن ينخرطون باستمرار في تفاصيل التفاصيل.
فمنذ تولي ترامب السلطة مجددًا، تبدو الولايات المتحدة كـ «ديمقراطية غير عقلانية». ومن المرجح أن يكون مصدر هذه اللاعقلانية، مرتبطًا بشكل كبير بإخفاقٍ المشرّع الأميركي، في مراقبة الاقتصاد وضبطه على نحو يحمي مؤسساته السياسية ومجتمعه المدني من تبعات سلوكيات قوى الرأسمالية "المعولمة"، التي دأبت، ومن دون أي قيود تذكر، خلال العقود الثلاثة الماضية على تفكيك القاعدة الصناعية للولايات المتحدة، ونقلها لدول شرق أسيا، في خضم سعيها المستمر لجني الأرباح.
إن خطوات من قبيل لوحات ترامب الرئاسية، ومحاولته إعادة كتابة التاريخ بطريقة كاريكاتورية، وإصراره على لاشرعية الانتخابات الرئاسية لعام 2020، لا تؤدي إلا إلى مزيد من تآكل الثقة العامة بالنظام الديمقراطي الأميركي، وإضعاف أعرافه، وطمس حدود ما يُعد سلوكًا سياسيًا مقبولًا. كما أنها تُعمّق الاستقطاب الأيديولوجي، وتخاطر بإحداث النوع ذاته من عدم الاستقرار السياسي، الذي كان دنغ حريصًا على تفاديه بكل الوسائل.
وعلى المستوى الشخصي، فإن هذا الانعدام في التحفّظ السياسي يضرّ بترامب نفسه من حيث لا يدري، فهو يوحي بأن الرجل، الذي يصوّر نفسه بوصفه شخصية سياسية خارقة، قد خسر انتخابات عام 2020 أمام سياسي يصفه مرارًا بـ«الضعيف» و«الفاسد». وإذا كان ترامب بالفعل المفكّر الاستراتيجي العظيم الذي يدّعيه، لكان الأجدر به أن يتوقّع تزوير انتخابات 2020، وأن يحرص على ضمان شفافيتها استباقيًا، بدلًا من محاولة تبرير خسارته بأثرٍ رجعي.
ختامًا، إن سياسات ترامب هذه وسلوكياته، إذا ما استمرت وتحوّلت إلى عُرفٍ سياسي راسخ في الولايات المتحدة، لن تؤدي فقط إلى مزيد من تآكل مكانتها العالمية، التي بدأت أعراضها بالظهور تدريجيًا، بل أيضًا إلى الفوضى وانعدام الاستقرار، من خلال تسريع تآكل ثقة المجتمع الأميركي بنظامه السياسي، وإضعاف مؤسسة الرئاسة عبر تحويلها إلى مسرحٍ هزلي، بدلًا من كونها ركنًا أساسيًا من أركان النظام السياسي الأميركي، والفاعل الأبرز على المستوى الدولي.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق منارات

الأكثر قراءة

العمود الثامن: مراد وهبه وعقل الأخوان

العمود الثامن: عباس الأبيض فـي اليوم الأسود

العمود الثامن: فتاة حلب

العمود الثامن: متى يتقاعدون؟

قناطر: البصرة بعين (أوليا جلبي) قبل نصف قرن

العمود الثامن: حكاية سجاد

 علي حسين أقرأ في الاخبار خبر الافراج عن المتهمين باختطاف الشاب سجاد العراقي، وقد اخبرتنا المحكمة مشكورة ان قرارها صدر بسبب "عدم كفاية الادلة"، تخيل جنابك ان دولة بكل اجهزتها تقف عاجزة في...
علي حسين

قناطر: عن الثقافة وتسويقها

طالب عبد العزيز تدهشنا مكاتبُ الشعراء والكتاب والفنانين الكبار، بموجوداتها، هناك طاولة مختلفة، وكرسي ثمين، وأرفف معتنى بها،وصور لفلاسفة،وربما آلات موسيقية وغيرها، ويدفعنا الفضول لفتح الأدراج السرية في المكاتب تلك، مكاتب هؤلاء الذين قرأنا...
طالب عبد العزيز

هل يستطيع العراق في 2026 أن يهزم الفساد وينزع سلاح الميليشيات؟

جورج منصور يقف العراق مع مطلع عام 2026 عند مفترق طرق حاسم في صراعه الطويل مع ثنائية الفساد المستشري والسلاح المنفلت خارج إطار الدولة. فقد كرَّست العقود الماضية بيئة سياسية هشة، غاب فيها حكم...
جورج منصور

الاستقرار السياسي.. بين حكمة دنغ واندفاع ترامب

محمد سعد هادي يروي «سلمان وصيف خان» في كتابه المهم «هواجس الفوضى: الاستراتيجية الكبرى للصين، من ماو تسي تونغ إلى شي جين بينغ»، حوارًا جرى عام 1989 بين دنغ شياو بينغ والرئيس الأميركي الأسبق...
محمد سعد هادي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram