جورج منصور
يقف العراق مع مطلع عام 2026 عند مفترق طرق حاسم في صراعه الطويل مع ثنائية الفساد المستشري والسلاح المنفلت خارج إطار الدولة. فقد كرَّست العقود الماضية بيئة سياسية هشة، غاب فيها حكم القانون لصالح جماعات مسلحة راكمت نفوذاً متشابكاً، سواء خلال الحرب ضد تنظيم داعش، أو في تعقيدات المشهد السياسي الذي أعقبها.
وتشير تقارير الشفافية الدولية إلى أن العراق ما زال من بين أدنى دول العالم في مؤشرات النزاهة. فالفساد هنا لا يتخذ شكلاً واحداً؛ بل يمتد من المحسوبية في التعيينات، إلى الصفقات المشبوهة، وصولاً إلى التداخل العضوي بين المال السياسي والوظيفة العامة.
أما السلاح خارج مؤسسات الدولة، فهو ليس ظاهرة أمنية فحسب، بل قضية سياسية واستراتيجية، متشابكة بخيوط إقليمية ودولية. فمنذ عام 2003، تحولت جماعات مسلحة عديدة إلى فاعلين سياسيين واقتصاديين، ولا سيما تلك المدعومة خارجياً، لتغدو جزءاً من معادلة القوة الداخلية.
الفساد: من ظاهرة إدارية إلى بنية نظامية
لم يعد الفساد في العراق تجاوزات فردية أو حالات معزولة، بل تحوّل إلى جزء من بنية النظام السياسي القائم على المحاصصة الطائفية والعرقية. هذه البنية وفرت غطاءً سياسياً وأخلاقياً لحماية الفاسدين، وحوّلت المؤسسات الرقابية والقضائية، في كثير من الأحيان، إلى أدوات انتقائية تُستخدم ضد الخصوم وتُعطّل أمام المتنفذين.
ومع مطلع العام الجديد، يعود السؤال ذاته إلى واجهة النقاش العراقي، لكن بصيغة أكثر إلحاحاً: هل يمتلك العراق قدرة حقيقية على القضاء على الفساد وحصر السلاح بيد الدولة؟ أم أن هذه العناوين ستبقى جزءاً من الخطاب السياسي أكثر مما هي مشروعاً قابلًا للتحقق؟
فمنذ عام 2003، تعاقبت الحكومات، وتغيّرت الوجوه، فيما بقيت المشكلتان الأكثر فتكًا بالدولة العراقية على حالهما: فساد بلا محاسبة، وسلاح بلا سيادة. والربط بينهما ليس اعتباطياً؛ فالفساد يحتمي بالسلاح، والسلاح يزدهر في بيئة الفساد.
في عام 2026، تتحدث الدولة عن إصلاحات إدارية، ورقمنة للخدمات، وإجراءات لتعزيز الشفافية. وهي خطوات مهمة، لكنها تبقى تقنية لا سياسية. ومشكلة الفساد سياسية بإمتياز؛ تبدأ من غياب الإرادة في محاسبة "الرؤوس الكبيرة"، لا من ضعف الآنظمة الإلكترونية.
القضاء على الفساد لا يبدأ بسؤال: كيف نُصلح الإدارة؟، بل بسؤال أكثر حساسية: من المستعد أن يخسر امتيازاته؟.
السلاح المنفلت: اختبار هيبة الدولة
أما ملف الميليشيات، فهو الاختبار الأصعب لهيبة الدولة. فالسلاح في العراق لم يعد مجرد قوة عسكرية، بل تحوّل إلى نفوذ سياسي واقتصادي وإعلامي. بعض الجماعات المسلحة بات جزءاً من القرار السياسي، أو قادراً على تعطيله، ما يجعل شعار "حصر السلاح بيد الدولة" أقرب إلى التمنّي منه إلى السياسة الواقعية.
نزع سلاح الميليشيات لا يمكن أن يتم عبر المواجهة المباشرة، ولا عبر التسويات المؤقتة. إنه مسار طويل يتطلب دولة قادرة على فرض القانون بلا استثناء، واقتصاداً يقلّص اعتماد الفصائل على الموارد غير الرسمية، ونظاماً سياسياً لا يكافئ من يهدد الدولة بقوة السلاح.
في 2026، قد يكون بالإمكان تقليص نفوذ السلاح، لكن الحديث عن نزعه بالكامل ما يزال سابقاً لأوانه، ما لم يترافق مع تغيير جذري في قواعد اللعبة السياسية.
ما الذي يريده الشارع؟
الشارع العراقي لم يعد يطالب بالمعجزات. ما يريده هو إشارات جدية: محاسبة حقيقية، حتى لو كانت محدودة لكنها عادلة؛ قرارات سياسية تُطبق لا تُعلن فقط، ودولة تتقدم خطوة إلى الأمام بدل أن تدور في الحلقة ذاتها.
القضاء الكامل على الفساد ونزع سلاح الميليشيات في عام واحد ليس هدفاً واقعياً. لكن البدء الجاد في هذا المسار هو ما سيحدّد إن كان 2026 عاماً مختلفاً، أم مجرد رقم جديد في سلسلة الإخفاقات.
وبغير ذلك، سيستيقظ العراق، في هذا العام، كعادته، متعباً: الشوارع مزدحمة، الدوائر الحكومية تفتح أبوابها ببطء، والناس يتبادلون السؤال القديم نفسه بصيغة جديدة: هل تغير شيء؟ هل أصبح الفساد أقل حضوراً في الأزقة، وفي السياسة، وفي القرار؟
العراق، الذي نجا من الحروب والاحتلال والإرهاب، يقف اليوم أمام معركة من نوع آخر؛ معركة لا تُحسم بالدبابات ولا بالخطب، بل بإرادة الدولة على أن تكون دولة، لا ساحة مفتوحة لتقاطع المصالح والسلاح والمال.
الفساد في العراق لا يضع قناعاً واحداً: هو موظف صغير يطلب "إكرامية"، وهو عقد بمليارات يمرّ بلا حساب، وهو حزب يحمي أفراده كما تحمي العشيرة أبناءها. وبعد أكثر من عشرين عاماً على سقوط النظام السابق، لم يعد الفساد حالة طارئة، بل صار نظاماً موازياً، يتغذى من ضعف القانون ومن المحاصصة التي حوّلت الدولة إلى غنيمة.
وفي 2026، تتحدث الحكومة عن لجان، وقضاء، ورقمنةٍ تقلّل الاحتكاك بين المواطن والموظف. كل ذلك صحيح… لكنه غير كافٍ. فالفساد، مثل الماء، يتسرّب من الشقوق. وإذا لم تُغلق الشقوق السياسية أولًا، فلن تنفع السدود الإدارية.
السؤال الحقيقي ليس: هل تملك الدولة الشجاعة لملاحقة الفاسدين الكبار؟، بل: هل توجد نية حقيقية لمحاربة الفساد؟.
أما السلاح، فقصته أكثر تعقيداً. فالميليشيات ليست مجرد جماعات مسلحة؛ إنها ذاكرة حرب، وشعور بالقوة، وشبكة مصالح سياسية واقتصادية، وأحياناً خطاب "حماية الدولة" من الدولة نفسها. وبعد معركة داعش، اكتسب السلاح شرعية معنوية لدى جزء من المجتمع، لكنه مع الزمن تحوّل من وسيلة دفاع إلى أداة ضغط: ضغط على الحكومة والقضاء والانتخابات، وعلى مفهوم الدولة ذاته.
في 2026، تتكرر العبارة الرسمية: "حصر السلاح بيد الدولة". لكن سؤال الشارع هو: أي دولة؟ الدولة التي تفاوض السلاح، أم الدولة التي تحتكره؟.
نزع سلاح المليشيات لا يعني مواجهة عسكرية، فذلك خيار انتحاري، بل تفكيكاً طويل النفس:
قانون صارم يُطبق بلا استثناء، واقتصاد يقلّص نفوذ السلاح، وسياسة لا تكافىء من يلوّح بالبندقية. وهذا المسار، مهما بدا جدياً، لا يُنجز في عام واحد.
العراقي في 2026 ليس حالماً ساذجاً، ولاساخراً بالكامل. هو يدرك أن الدولة لا تُبنى بقرار، وأن الفساد لا يسقط ببيان، وأن السلاح لا يختفي بوعد انتخابي. لكنه يعرف أيضاً أن استمرار الحال أخطر من تغييره.
ما يمكن للعراق أن يفعله في 2026 ليس القضاء النهائي على الفساد، ولا نزع كل السلاح، لكن يمكنه، إن أراد، أن: يكسر قداسة الفاسدين، ويضع السلاح في زاوية الدفاع لا الهجوم، ويستعيد فكرة الدولة كمرجعية لا كواجهة. وهذا بحد ذاته تحوّل تاريخي.
خاتمة: الدولة ليست حلماً.. بل معركة يومية
هل سينجح العراق في 2026؟. الجواب ليس نعم، ولا لا.
الجواب أن العراق إن بدأ بصدق، فلن يتوقف. وإن تردَّد، فسيظل يدور في الحلقة نفسها، عاماً بعد أخر، حتى ينهك الجميع.
الدولة لا تُمنح، بل تُنتزع من الفوضى. والفساد لا يُهزم دفعة واحدة، بل يُحاصر. والسلاح لا يُكسر، بل يُجرَّد من شرعيته.
في 2026، قد لا يكون العراق قد وصل، لكن السؤال الأهم: هل سيكون قد اختار الطريق أخيراً؟









