النجف / عبدالله علي
في مراكز علاج الأورام بمحافظة النجف، لم يعد تأجيل الجرعات العلاجية حدثاً طارئاً، بل تحول إلى واقع متكرر مع كل موجة نقص جديدة في الأدوية؛ حيث ينتظر المرضى على أمل وصول جرعاتهم، بينما يواجه الأطباء عجز المنظومة الصحية، وتُدفع الأُسر قسراً إلى سوق الدواء الخارجي، الذي لا يوفر فرصة للعلاج إلا لمن يملك المال.
وعبّر مدير مستشفى الأورام في النجف، الدكتور حيدر الشبلي، عن حجم المأزق عبر منشور على صفحته الشخصية، قال فيه: «أعتقد أن العمل الحكومي أصبح عبئاً لمن له كرامة… اليوم تم تأجيل علاج عدد من مرضى الأورام بسبب عدم وجود بعض الأدوية، ورغم ما خصصه مجلس المحافظة من مبالغ لشراء أدوية الأورام لكنها لم تُصرف». وأضاف الشبلي أن الالتزام الأخلاقي والمهني هو ما يبقي الكوادر داخل المؤسسات الحكومية، محذراً من أن «لكل صبر نهاية»، ومؤكداً أن المسؤولية لا تقع على جهة واحدة، بل هي مسؤولية مشتركة «حتى المجتمع».
في المقابل، يروي محسن قحطان، وهو أحد ذوي مرضى السرطان، لـ «المدى» تفاصيل أكثر قسوة من داخل قاعات الانتظار، موضحاً أن مركز الفرات الأوسط للأورام والمستشفى الوطني للأورام يعانيان نقصاً حاداً في العلاجات النوعية، في وقت لا تتوفر فيه سوى أدوية مساندة مثل «الديكادرون» و«الزوفران»، بينما تبقى جرعات العلاج الكيميائي هي الأزمة الأكبر، ويقول: «المرضى القادرون على شراء الجرعات من خارج المستشفى يستمرون بالعلاج، أما ذوو الدخل المحدود فيبقون بلا علاج، بانتظار أن تعطف الدولة».
ويشير قحطان إلى أن والده تلقى عدة جرعات دون استجابة، ما اضطر العائلة إلى تغيير الخطة العلاجية وشراء الجرعة من الخارج بسعر تجاوز 700 ألف دينار، لافتاً إلى أن شاباً تعرف عليه أثناء المراجعة أخبره بأنه اشترى جرعته بمبلغ 3,500 دولار، ويؤكد أن توقف العلاج يعني تفاقم الورم وانتشاره، مضيفاً: «المرض لا ينتظر».
شكاوى مماثلة يطرحها ذوو مرضى آخرين، إذ يقول محمد المالكي لـ «المدى» إن بعض الأدوية الأساسية والمرافقة للعلاج تختفي فجأة من المستشفيات، ليُطلب من المرضى شراؤها من الخارج، مضيفاً: «رواتبنا محدودة، لكننا نُجبر على شراء أدوية بمئات الآلاف، وكأن العلاج حقّ مشروط بالقدرة المالية».
وفي هذا السياق، كشفت مسؤولة وحدة أمراض السرطان في صحة النجف سندس الحمداني لـ «المدى» إحصائية خاصة بأعداد مرضى السرطان لعامي 2024 و2025، مشيرة إلى أن عدد الإصابات المسجلة بلغ 2312 إصابة، بما يقارب أكثر من 100 إصابة خلال عام 2024.
أما في عام 2025، فتُظهر البيانات الشهرية الصادرة عن مركز الفرات الأوسط للأورام في النجف الأشرف تصاعداً واضحاً في أعداد مراجعي مرضى السرطان والحالات الجديدة والعلاجات المقدمة؛ ففي كانون الثاني بلغ عدد المراجعين 2,190 مراجعاً، مع تسجيل 277 حالة جديدة، وتقديم 4,176 علاجاً كيميائياً وهرمونياً وبيولوجياً، و116 حالة معالجة شعاعية، بإجمالي 2,145 جلسة إشعاع و201 حالة رقاد. وفي شباط راجع المركز 1,573 مريضاً، سُجلت بينهم 264 حالة جديدة، و3,952 علاجاً، و979 حالة معالجة شعاعية، و1,693 جلسة إشعاع، و191 حالة رقاد. أما آذار فقد شهد 1,511 مراجعاً و238 حالة جديدة، و3,892 علاجاً، و103 حالات شعاعية، و1,882 جلسة إشعاع، و138 حالة رقاد. وفي نيسان ارتفع عدد المراجعين إلى 1,610 مراجعين، مع 291 حالة جديدة، و4,261 علاجاً، و118 حالة شعاعية، و2,118 جلسة إشعاع، و164 حالة رقاد. وسجل أيار 1,250 مراجعاً، و335 حالة جديدة، و4,463 علاجاً، و137 حالة شعاعية، و2,396 جلسة إشعاع، و197 حالة رقاد. وفي حزيران بلغ عدد المراجعين 1,500 مراجع، مع 348 حالة جديدة، و4,263 علاجاً، و133 حالة شعاعية، و2,393 جلسة إشعاع، و190 حالة رقاد. أما تموز فقد سجل 1,667 مراجعاً و391 حالة جديدة، و5,112 علاجاً، و138 حالة شعاعية، و2,569 جلسة إشعاع، و196 حالة رقاد. وفي آب انخفض عدد المراجعين إلى 1,125 مراجعاً، مع 278 حالة جديدة، و4,072 علاجاً، و88 حالة شعاعية، و1,664 جلسة إشعاع، و180 حالة رقاد. وسجل أيلول 2,020 مراجعاً، و304 حالات جديدة، و4,506 علاجات، و138 حالة شعاعية، و2,472 جلسة إشعاع، و263 حالة رقاد. وفي تشرين الأول بلغ عدد المراجعين 1,850 مراجعاً، مع 308 حالات جديدة، و4,760 علاجاً، و149 حالة شعاعية، و2,569 جلسة إشعاع، و206 حالات رقاد. أما تشرين الثاني فقد سجل 1,682 مراجعاً، و286 حالة جديدة، و4,431 علاجاً، و112 حالة شعاعية، و1,891 جلسة إشعاع، و201 حالة رقاد. واختُتم العام بكانون الأول الذي شهد أعلى عدد مراجعين بلغ 2,187 مراجعاً، مع 342 حالة جديدة، و4,594 علاجاً، و118 حالة معالجة شعاعية، و2,023 جلسة إشعاع، و189 حالة رقاد.
وبحسب المجموع السنوي، بلغ عدد مراجعي مرضى السرطان 20,565 مراجعاً، وعدد الحالات الجديدة 3,662 حالة، فيما وصل عدد العلاجات الكيميائية والهرمونية والبيولوجية إلى 52,482 علاجاً، وعدد حالات المعالجة الشعاعية 2,329 حالة، بإجمالي 25,815 جلسة إشعاع، و2,316 حالة رقاد، في ظل تشغيل 4 أجهزة إشعاع فقط طوال العام، مما يعكس حجم الضغط الكبير على المركز وكوادره الطبية.
وفي قراءة أعمق للأزمة، يرى الخبير الاقتصادي جليل اللامي أن ما يجري في مستشفيات الأورام لا يمكن فصله عن طبيعة إدارة الاقتصاد العراقي، موضحاً أن الدولة «ليست مفلسة، لكنها مقيّدة بالسيولة»، في ظل اعتماد شبه كامل على الإيرادات النفطية المتذبذبة، مقابل إنفاق جارٍ يستهلك معظم الموازنة. ويشير إلى أن القطاع الصحي غالباً ما يكون من أوائل المتضررين عند أي ضغط مالي، لأنه يُدار بعقلية «تشغيل الحد الأدنى»، فيما تُعد أدوية السرطان من أكثر الملفات حساسية بسبب كلفتها العالية واعتمادها الكامل على الاستيراد والدولار.
ويضيف اللامي أن الأزمة ليست مالية فقط، بل إدارية أيضاً، نتيجة غياب التخطيط الصحي طويل الأمد، وعدم وجود عقود شراء مستدامة أو خزن استراتيجي، فضلاً عن البيروقراطية وتأخر المناقصات وتعقيدات الاستيراد، مؤكداً أن «أحياناً المال موجود، لكنه لا يصل في الوقت المناسب». ويحذر من أن تقليص تمويل أدوية السرطان لا يمثل توفيراً، بل خسارة اقتصادية صافية، لأن العلاج المتأخر يعني كلفاً أعلى لاحقاً، وضغطاً اجتماعياً، وخسارة بشرية وإنتاجية.
وبحسب اللامي، فإن نقص أدوية الأورام بات مؤشراً على خلل أعمق في ترتيب الأولويات، حيث ما زالت الصحة تُعامل بوصفها خدمة لا أمناً وطنياً، وتُدار الأزمات بدل الوقاية منها. وفي ظل استمرار الضغوط المالية والتقلبات الإقليمية، يُخشى أن يتحول العلاج من حقّ دستوري إلى امتياز، فيما يُترك المرضى عالقين بين انتظار الدواء… أو البحث عنه خارج حدود المؤسسات العامة.









