بغداد / يمان الحسناوي
تتجه أنظار الشارع العراقي مبكرًا نحو موازنة عام 2026 بوصفها المؤشر العملي الأول على توجهات الحكومة الجديدة وقدرتها على إدارة اقتصاد مثقل بالتحديات. فالموازنة لم تعد مجرد وثيقة حسابية، بل أصبحت أداة سياسية واقتصادية تختبر جدية الإصلاح، وتحدد مستوى الخدمات، واستقرار الوظائف، ومسار التنمية في البلاد. وفي ظل تجارب سابقة اتسمت بالتأخير والتعطيل، يبرز السؤال الجوهري: هل تنجح الحكومة في تجاوز هذا الامتحان، أم يتكرر سيناريو الإرباك المالي؟
ويرى مختصون أن توقيت تقديم مشروع موازنة 2026 لا يقل أهمية عن مضمونها. فإرسالها إلى البرلمان خلال شهري شباط أو آذار يُعد مؤشرًا على قدرة الحكومة على إدارة الملفات السيادية بثبات، وتجنب الفراغ المالي الذي عانت منه مؤسسات الدولة في سنوات سابقة.
وبهذا الصدد، بيّن مستشار رئيس الوزراء للشؤون المالية، مظهر محمد صالح، ملامح مشروع قانون الموازنة العامة للعام المقبل 2026.
وقال صالح خلال حديثه لـ(المدى) إنه “وفقًا لقانون الإدارة المالية الاتحادي النافذ رقم 6 لسنة 2019 المعدل، فإنه يتطلب من السلطة المالية بالتعاون مع وزارة التخطيط العمل حاليًا على إعداد الخطوط العريضة لموازنة العام 2026، تمهيدًا لعرضها على المجلس الوزاري للاقتصاد في أيلول المقبل، ومن ثم إحالتها إلى الحكومة لمناقشة ثوابتها ومتغيراتها قبل تقديمها إلى مجلس النواب وفق المسار الدستوري”.
وأوضح أن “مشروع قانون موازنة 2026 سينطوي على تجربة مالية فريدة من نوعها، تتسم بالدقة والقدرة على تسيير النشاط الاقتصادي، لاسيما أن الإنفاق الحكومي يشكل قرابة 50% من الناتج المحلي الإجمالي”.
وأضاف أن “الموازنة المقبلة ستعتمد على تجربة ناجحة سابقة في التخطيط المالي متوسط الأجل لمدة ثلاث سنوات، وفق قانون الموازنة العامة الاتحادية رقم 13 لسنة 2023”.
وبيّن أن “موازنة العام المقبل ستشهد توسعًا في الحيز المالي، ما يعني قدرة أكبر على تحصيل الإيرادات غير النفطية، إلى جانب تطبيق ضوابط صارمة للإنفاق العام من خلال أنظمة الحوكمة المالية الرقمية، لا سيما الجباية الإلكترونية وضبط حساب الخزينة الموحد، ما يعزز السيولة العامة ويقلل الحاجة إلى الاقتراض القصير الأجل”.
في موازاة النقاشات حول توقيت الموازنة، برز ملف سعر الصرف بوصفه أحد أبرز محاور الجدل. فقد أكد البنك المركزي العراقي، في مراسلات رسمية مع وزارة المالية، أن السعر المعتمد في موازنة 2026 سيكون 1300 دينار للدولار الواحد، وهو السعر نفسه المعمول به منذ شباط 2023.
ويُنظر إلى تثبيت سعر الصرف في الموازنة على أنه محاولة لطمأنة الأسواق والحد من المضاربات، خصوصًا في ظل حساسية الشارع العراقي تجاه أي تغيير في قيمة العملة، لما له من تأثير مباشر على القدرة الشرائية والأسعار.
وبحسب مصادر مصرفية، فإن آلية بيع وشراء الدولار ستبقى ضمن هوامش محددة، حيث يشتري البنك المركزي الدولار من وزارة المالية بسعر 1300 دينار، ويبيعه للمصارف بسعر 1310 دنانير، على أن يصل إلى التجار والتحويلات الخارجية بسعر 1320 دينارًا، في إطار تنظيم السوق والسيطرة على الفجوات السعرية.
وفي سياق التحضير المبكر، عقدت وزارة التخطيط في أواخر تشرين الثاني 2025 اجتماعًا موسعًا لمناقشة موازنة 2026، إلى جانب موازنات الأعوام الثلاثة اللاحقة (2026–2028). وتركزت النقاشات على وضع الإطار العام للإنفاق، وتحديد المشاريع ذات الأولوية، ومراجعة القروض القائمة والمقترحة.
كما جرى بحث الاتفاقية الإطارية مع الجانب الصيني، وما تتضمنه من مشاريع بنى تحتية وتنموية، وسط دعوات إلى إدراجها ضمن رؤية شاملة تضمن عدم تحميل الموازنة أعباء مالية غير مدروسة.
إلى ذلك، رأى الباحث بالشأن الاقتصادي علي كريم إذهيب أن تقديم مشروع الموازنة العامة الاتحادية لعام 2026 من قبل الحكومة العراقية الجديدة خلال شهر شباط، أو كحد أقصى في آذار، يُعد خطوة بالغة الأهمية.
وأوضح إذهيب خلال حديثه لـ(المدى) أن هذا التوقيت يعكس قدرة الحكومة على التحرك السريع في إدارة الملفات السيادية، وفي مقدمتها الملف المالي، مشيرًا إلى أن تقديم الموازنة مبكرًا يساعد على تفادي الفراغ التشغيلي ويمنح الوزارات والمحافظات رؤية واضحة لتنفيذ خططها السنوية.
وأضاف أن الالتزام بالإطار الزمني لتقديم الموازنة يبعث برسائل طمأنة للموظفين والمتعاقدين وأصحاب المشاريع، ويعزز ثقة الشارع العراقي بقدرة الحكومة الجديدة على إدارة الموارد العامة بكفاءة، فضلًا عن كونه مؤشرًا إيجابيًا للمؤسسات الاقتصادية والمالية في الداخل والخارج.
وبيّن إذهيب أن تأخر الموازنة غالبًا ما ينعكس سلبًا على إطلاق المشاريع الخدمية والاستثمارية، بينما يساهم تقديمها في شباط أو آذار بتسريع دورة الإنفاق وتحريك الاقتصاد المحلي منذ الأشهر الأولى من السنة المالية.
وختم إذهيب حديثه بالتأكيد على أن سرعة تقديم الموازنة لا تقل أهمية عن مضمونها، داعيًا إلى أن تتضمن أولويات واضحة تتعلق بالخدمات، وفرص العمل، والاستقرار الاقتصادي، بما ينسجم مع تطلعات المواطنين في المرحلة المقبلة.
النفط رقم متحرك في الحسابات
يبقى النفط العامل الأكثر تأثيرًا في رسم ملامح الموازنة. ويتوقع المستشار المالي لرئيس الوزراء، مظهر محمد صالح، أن يتراوح متوسط سعر برميل النفط في موازنة 2026 بين 55 و62 دولارًا، مع ميل وسطي يقارب 61 دولارًا للبرميل.
ويؤكد صالح أن هذه التقديرات تستند إلى قراءات سوقية عالمية وتحليلات مرتبطة بتوازنات العرض والطلب، لكنها تبقى عرضة للتغير بفعل عوامل جيوسياسية، وقرارات “أوبك+”، وتطورات الطلب العالمي على الطاقة، فضلًا عن التحولات المتسارعة نحو الطاقة المتجددة.
ديون تضغط على القرار
من جانبه، حذّر عضو مجلس النواب أحمد الشرماني من أن الحكومة المقبلة ستواجه تحديات مالية كبيرة، في مقدمتها تراكم الديون الداخلية والخارجية، التي باتت تشكل ضغطًا مباشرًا على الاقتصاد الوطني.
وأشار الشرماني إلى أن خدمة الدين تستنزف جزءًا مهمًا من الإيرادات العامة، ما يقلل من قدرة الدولة على تمويل المشاريع التنموية.
ويرى الشرماني أن استمرار الاعتماد على الاقتراض لتمويل الرواتب والدعم الحكومي يمثل مسارًا خطيرًا، وقد يؤدي إلى تعميق العجز المالي في موازنة 2026، خصوصًا في ظل تقلبات أسعار النفط وضعف الإيرادات غير النفطية.
خاص بالمدىبـ 1300 للدولار وتوقعات نفطية متدنية.. موازنة 2026 ترسم ملامح "البقاء الاقتصادي" للحكومة الجديدة
بـ 1300 للدولار وتوقعات نفطية متدنية.. موازنة 2026 ترسم ملامح "البقاء الاقتصادي" للحكومة الجديدة

نشر في: 14 يناير, 2026: 12:16 ص








